الوضعية التي اسقطت الحدود كلها.
-والتنبيه الثالث: على قوله - عن الياسق - [فصارت في بنيه شرعًا متبعًا] . أي في أبناء جنكيز خان وهم التتار، وهذا مما يبيّن لك أن حكام اليوم أكفر من التتار، فإن كلا الفريقين أظهر الإسلام والتزم ببعض شعائره ولكنه حكم بغير ما أنزل الله، ولكنهما افترقا في أمرٍ هام: وهو أن التتار مع استيلائهم على بلاد المسلمين وتوليهم الحكم فيها لم يفرضوا على المسلمين الحكم بقانونهم الكافر (الياسق) وإنما حكم به التتار فيما بينهم وظل الحكم بين المسلمين جاريا وفق الشرع كما سبق إيضاحه في آخر المسألة السابعة، أما حكام اليوم فإنهم فرضوا قوانين الكفر على المسلمين وألزموهم بالحكم بها والتحاكم إليها وأنشأوا المعاهد (كليات الحقوق) لتخريج من يتولى الحكم بهذه القوانين بين المسلمين وكل هذا لم يفعله التتار، وهذا مما يبين لك أن حكام اليوم أكفر من التتار الذين نقل ابن تيمية ومن بعده ابن كثير الإجماع على كفرهم لحكمهم بغير ما أنزل الله.
-والتنبيه الرابع: على قول ابن كثير [وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق - إلى قوله - فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله] . وهذا الكلام فيه رد على الشبهة التي يثيرها البعض دفاعًا عن الحكام المرتدين الحاكمين بالقوانين الوضعية أن هؤلاء الحكام ليسوا هم الذين وضعوا هذه الأحكام وأدخلوها بلاد المسلمين. فأقول: وكذلك الذين أفتى ابن كثير بكفرهم لم يكونوا هم الذين وضعوا الياسق، وإنما وضعه ملكهم الوثني جنكيز خان الذي مات عام 624ه، في حين وُلِدَ ابن كثير عام 700 هـ، وأفتى بكفر أبناء جنكيز خان الذين أعلنوا إسلامهم وحكموا بقانون جدهم، فالحال هو الحال. وقبل فتوى ابن كثير لدينا فتوى رب العالمين فإن الذين قال الله تعالى فيهم (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، لتركهم حكم الله برجم الزاني المحصن وحكمهم بحكم بديل، لم يكن المعاصرون منهم للنبي عليه الصلاة والسلام هم الذين اخترعوا الحكم البديل وإنما اخترعه أسلافهم، كما هو مذكور في الأحاديث التي وردت في بيان سبب النزول خاصة ما رواه الطبري عن أبي هريرة من أن أول من ترك حد الرجم وبدّل حكمه كان ملكًا من ملوك اليهود، ولم تكن لهم ملوك زمن النبي عليه الصلاة والسلام عندما نزلت الآية، فوقوع التبديل من أسلافهم لم يمنع من الحكم بكفرهم ما اتبعوهم على ذلك.
-أما التنبيه الخامس: فعلى قول ابن كثير [فمن فعل ذلك فهو كافر] . فتأمل ترتيبه الحكم بالكفر على مجرد الفعل [فمن فعل ذلك فهو كافر] ، أي من حكم بالشرع المخترع فقد كفر، ولم يقل كما قال معظم المعاصرين من أنه لا يكفر من فعل ذلك إلا إذا اعتقد جوازه أو استحله أو جحد حكم الله فهذه كلها شروط فاسدة والقول بها هو قول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف كما سبق التنبيه عليه في مبحث الاعتقاد وفي المقدمة السادسة عشرة في المسألة الخامسة بهذا الموضوع. والحاصل: أن الحكم بالكفر في الدنيا يكون بالاتيان بقول أو فعل ثبت أنه مكفِّر بالدليل الشرعي. وقد دلت الأدلة على كفر من ترك الحكم بما أنزل الله أو حكم بغيره أو اخترع حكمًا غيره كما سبق بيانه في المسألة السادسة.
-أما التنبيه السادس: على فتوى ابن كثير السابقة، فهو أنه يجوز العمل بها بالنسبة للحكام المعاصرين الحاكمين بالقوانين الوضعية لانطباقها عليهم كما أسلفت القول، وإن كان في الأدلة المذكورة بالمسألة السادسة والإجماع المذكور بالمسألة السابعة ما يغني عن تقليد ابن كثير في فتواه هذه. ومع ذلك فإن تقليده جائز كما سبق في أحكام المفتي بالباب الخامس بهذا الكتاب، وفيه قال ابن القيم رحمه الله: [هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟. فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي، فمن منعه قال: يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا، فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبًا وإما استحبابًا، على النزاع المشهور، ولعله لو جَدَّد