فهرس الكتاب

الصفحة 1158 من 1285

18 -الدكتور محمد نعيم ياسين:

قال[ومن هنا يتضح أن شهادة أن (لا إله إلا الله) يناقضها أمران:

الأول: نفي استحقاق الخالق لأن يعبد بأي نوع من أنواع العبادة.

الثاني: اثبات هذا الاستحقاق لأي مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.

فكل قول أو تصرف أو اعتقاد يتضمن أحد هذين الأمرين يدخل صاحبه في الكفر والردة. - إلى أن قال -

ويكفر من ادعى أن له الحق في تشريع ما لم يأذن به الله، بسبب ما أوتي من السلطان والحكم، فيدعي أن له الحق في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، ومن ذلك وضع القوانين والأحكام التي تبيح الزنا والربا وكشف العورات أو تغيير ما جعل الله لها من العقوبات المحددة في كتاب الله أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام أو تغيير المقادير الشرعية في الزكاة والمواريث والكفارات والعبادات وغيرها مما قدره الشارع في الكتاب والسنة؟.

ويدخل في الكفر من يؤمن بهذه الطواغيت ويعترف لها بما ادعته من حقوق الألوهية، فقد قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36، وقال أيضا (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة: 256، والعروة الوثقى هي شهادة أن لا إله إلا الله فهذا هو معناها: أن تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى وتثبت جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له.

ومن هنا تعلم أنه إذا قام حاكم ينتحل الحق في إصدار تشريعات مناقضة لما هو ثابت في الكتاب أو السنة، يحلل به ما حرم الله، أو يحرم ما أحله سبحانه، كفر وارتد عن دين الله القويم، لأنه يعتقد بذلك أنه يسعه الخروج عن شريعة الإسلام بما يشرع للناس، ومن اعتقد ذلك كان من الكافرين.

ولكن هذا الحكم لا يدخل فيه إصدار التشريعات التي تتناولها نصوص الشارع أو لم تتعرض لها، ولا الأحكام الاجتهادية التي اختلف العلماء فيها.

فمن سن قانونا يبيح بموجبه الزنا أو الربا أو أي شيء من المعاصي المتفق على حرمتها في شرع الله فقد كفر ويكفر جميع من يسهم برضاه في إصدار مثل هذا القانون، ولكن لا يكفر من سن قانونا ينظم فيه السير مثلا أو نحوه مما لم يتعرض له الشارع بالذكر، ولا يكفر من سن قانونا ينظم فيه الأسعار، ولا يقال أن التسعيرة حرام لأن بعض العلماء لا يجيزه، ذلك أنه أمر اجتهادي، وقد قال به بعض الفقهاء.

وتعلم أيضا أنه يكفر من الناس من يعترف لهذه الطواغيت بهذه الحقوق ويرضى بها، ويتحاكم إليها وإلى شرائعهم المناقضة للإسلام في أصوله وما علم منه بالضرورة، وقد قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) النساء: 60، (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى:21] [1] [2] .

(1) من كتابه (الإيمان) ص 102 - 104. ط دار عمر بن الخطاب

(2) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[كذا هو في الجامع، ولم يعلّق المصنف على استثناء الدكتور من حكم التكفير إصدار التشريعات التي تتناولها نصوص الشارع! مع أنه نقل قبله فيما نقله من كلام العلاّمة أحمد شاكر(ص906) في القوانين: (وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواءً منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكام الشريعة وما خالفها، وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة لا اتباعًا ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرْتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، لا يجوز للمسلم أن يخضع له أو يرضى به) أهـ.

وأقول: إن من يعرف واقع حكام اليوم الطاغوتي التشريعي يعرف أن كل قانون من قوانينهم، ما وافق الشرع مصادفة - كما قال أحمد شاكر - أو ما خالفه، كل ذلك صادر بناء على الحق الطاغوتي الذي منحوه لأنفسهم ولأوليائهم ونصّوا عليه في دساتيرهم وهو قولهم: (السلطة التشريعية يتولاها الملك - أو الرئيس أو الأمير - وأعضاء البرلمان وفقًا لنصوص الدستور) .

فأي قانون يصدرونه سواء كان موافقًا للشرع أو مخالفًا له، لا يصدرونه أصلًا انقيادًا لحكم الله، بل انقيادًا لحكم الطاغوت (الملك أو الرئيس أو الأمير وأعضاء البرلمان) ، ولا يتبعونه ويحكّمونه استسلامًا لحكم القرآن، بل عملًا بنصوص الدستور، وإنما أقول هذا وأذكّر به، إن كان المصنف قد أقر ما هو مثبت في الجامع من كلام الدكتور محمد نعيم ياسين، وإلا فالصواب أن في هذا النقل خطأ مطبعي، إذ الصواب الذي في كتاب الإيمان: (ولكن هذا الحكم لا يدخل منه إصدار التشريعات التي لم تتناولها نصوص الشرع) أهـ.

فإن كان يقصد بذلك ما تركه الله للعباد من الترتيبات الإدارية. فلا غبار على هذه العبارة. ولا حرج في ذلك] النكت اللوامع ص (42 - 43)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت