فهرس الكتاب

الصفحة 1177 من 1285

مع أنهم يدعون إلى تحكيم الشرع وأن جماعاتهم ماقامت إلا لمحاربة من يحكم بغير ماأنزل الله، فإذا مادُعوا إلى حكم الله أعرضوا، فهُم أولى بالجهاد من حكامهم، وهذا صريح النفاق كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) النساء: 61. وقد شاء الله أن أكون حَكَمًا في خصومات بعض أطرافها من الدعاة المشهورين وحين وجب الحق عليه تملّص منه وأبى أن يؤدي ماوجب عليه، فقلت: والله لايَمُنّ الله علينا بحكم إسلامي حتى نرضى بحكم الله فيما بيننا، فقد قال تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد:11.

3 -التعصّب للطائفة بالباطل: وهذا حال كثير من أتباع الجماعات والأحزاب الإسلامية، فبعض الأتباع يلغي عقله ولايفكر أعَلَىَ ضلال طائفته أم على هدى؟ وماصار أهل النار في النار إلا بتعطيل عقولهم كما قال تعالى (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: 10، وبعض الأتباع يظهر له خطأ طائفته ثم ينصرها بالباطل وحاله كمن قال الله فيهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) المائدة: 104.

4 -ورأيت مسئولي بعض الجماعات الإسلامية يقولون إنه لو تغلّب غيرهم من الجماعات الإسلامية الأخرى على بلدهم وأقاموا حكم الإسلام فيه، فلن يكون أمامهم إلا ترك بلدهم والعيش في غيره. وهذا لم يقف عند حد نقص الإخلاص، بل إن هذا القول ضلال مبين، إذ إنه يبيّن أن هؤلاء لايريدون حكم الإسلام على الحقيقة وإنما يريدون الحكم لأنفسهم، ولو أرادوا حكم الإسلام لفرِحوا به كيفما أتى، خاصة وأن طاعة الإمام المتغلب واجبة بإجماع أهل السنة.

5 -ورأيت بعض الجماعات الإسلامية - وهم مستضعفون مشرّدون في الأرض - يتوعّدون خصومهم من الجماعات الأخرى بالانتقام منهم إذا مكّن الله لهم؟!!.

وهذه كلها من صور نقص الإخلاص، وقد قال تعالى (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) آل عمران: 126، والله ينزل نصره على مايعلمه من الصدق والإخلاص الذي في القلوب كما قال تعالى (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) الفتح: 18. فهل هذه القلوب مؤهلة لتنزيل النصر والفتح؟.

وهذا مما يبيّن لك أن بعض من يرفعون راية الدعوة الإسلامية إنما هم يدعون لأنفسهم على الحقيقة - لطلب المُلك والسلطان والثروة - لايدعون إلى الله كما يقتضي الإخلاص، وهؤلاء ليسوا من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، فقد وصف أتباعه بأنهم (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف: 108، وقال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في فوائد هذه الآية [الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام. الثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرًا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه] [1] . فأتباع النبي عليه الصلاة والسلام الذين يدعون إلى الله، لا الذين يدعون لأنفسهم.

روي البخاري رحمه الله بسنده عن أبي المنهال قال: [لما كان ابن زياد ومروان بالشام، وثب ابن الزبير بمكة، ووثب القرّاء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل عُلِّيةٍ له من قصب فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث، فقال: ياأبا برزة ألا ترى ماوقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني

(1) من (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) ص 94، ط أنصار السنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت