فهرس الكتاب

الصفحة 1178 من 1285

احتسب عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش، إنكم يامعشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذِلة والقِلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد عليه الصلاة والسلام حتى بلغ بكم ماترون. وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دُنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دُنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا] [1] .

وأنا أقول بقول أبي برزة رضي الله عنه، والله إن كثيرًا من رؤساء الجماعات الإسلامية مايريدون إلا الدنيا، ومايدعون إلا لأنفسهم، ولو كانوا يدعون إلى الله وإلى الحق لتعلموا الحق أولا ولاجتمعوا عليه ثانيا، ولكنهم (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) الروم: 32، وإني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطًا على هؤلاء وعلى أمثالهم. ولما شرع الصليبيون في الاستيلاء على الأندلس والتهامها قطعة بعد أخرى، كانت بلاد الأندلس مقسمة إلى عدة ممالك متناحرة في كل مدينة مملكة، فاضطر ملوك الطوائف هؤلاء للاستعانة بسلطان مراكش يوسف بن تاشفين وبجيشه على الإفرنج، فأغاثهم، وبعد النصر طلبوا منه أن يُبقي بعض جيشه ببلادهم ليعينهم على الإفرنج، فأبى وقال لهم [أخلصوا نياتكم يكفكم الله عدوكم] ، وذلك لما رآهم متفرقين مختلفين متناحرين. ومازالت هذه النصيحة قائمة لكل مشتغل بالعمل الإسلامي إلى اليوم.

أما سوء الأخلاق المتفشي في ساحة العمل الإسلامي واتباع السياسات الحزبية الجاهلية مع الخصوم واتباع السياسة الميكافيلية لنيل المآرب بأي وسيلة، ونُدرة الأمانة، والأثرة، فحدث عنه ولاحرج، وهذا كله من أسباب الخذلان. فالتوفيق له أسباب معروفة في الشرع وعلى رأسها حُسن الخلق واتباع مكارم الأخلاق، وبهذا استدلت السيدة خديجة للنبي عليه الصلاة والسلام، وذلك فيما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها - في حديث بدء الوحي - قالت [حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه المَلَك فقال: اقرأ - إلى أن قالت - فرجع بها رسول الله عليه الصلاة والسلام يرجُف فؤادُه، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زمّلوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله لايخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق] [2] . فأقسمت السيدة خديجة رضي الله عنها على أن الله لايخزيه عليه الصلاة والسلام واستدلت على ذلك بأمر استقرائي وصفته بأصول مكارم الأخلاق [3] .

فهل يُرجى نصرٌ من الله مع هذا كله؟ وإن الشّك في القائمين على العمل الإسلامي أهون من الشك في وعد الله تعالى بنصر المؤمنين. وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) النساء: 135. ومن باب تمام الشهادة على النفس فلاشك في أنه يوجد صالحون وأفاضل يسددون ويقاربون في ساحة العمل الإسلامي عسى الله أن ينفع بهم، ولكن الأمر كما قيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام أنهلك وفينا الصالحون؟ قال (نعم إذا كثر الخبث) [4] .

وهذا الذي ذكرته هنا أقوله عن خبرة، وهي وجه نظر من محايد لاينتمي لأي جماعة إسلامية أو حزب إسلامي، والجماعة حق وواجب في هذا الزمان، وقد ألفت كتابي (العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى) في فقه

(1) حديث (7112) بكتاب الفتن من صحيحه

(2) الحديث (3)

(3) هذا حاصل ماذكره ابن حجر في شرحه (فتح الباري) 1/ 24

(4) الحديث رواه البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت