أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) المائدة: 54، وقال ابن تيمية في هذه الآية [ولفظها يُصرح بأنهم جماعة - وذكر الآية - أفليس هذا صريحًا في أن هؤلاء ليسوا رجلًا، فإن الرجل لايُسمي قومًا في لغة العرب، لاحقيقة ولا مجازًا. - إلى أن قال - بل هذه الآية تدل على أنه لايرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قوما يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين] [1] .
فقتال الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله هو جهاد بلا ريب، وإلا لزم صاحب هذه الشبهة أن أبا بكر وسائر الصحابة رضي الله عنهم عندما قاتلوا المرتدين لم يكونوا مجاهدين في سبيل الله.
أما إذا كان صاحب هذه الشبهة لايرى كفر هؤلاء الحكام فهذا أمر آخر، والرد عليه بالمسألتين السادسة والسابعة.
القسم الخامس: شبهات للصد عن العمل الإسلامي الجماعي.
وذلك لأن جهاد هؤلاء الحكام لأجل خلعهم ونصب إمامٍ مسلم لايتأتى إلا بواسطة جماعة فلا تصلح فيه الجهود الفردية. فكان الصد عن العمل الجماعي وسيلة للصد عن الجهاد، ومن هذا:
1 -القول بأن الجماعة بدعة.
2 -القول بأن الإمارة على هذه الجماعات بدعة.
3 -القول بأن بيعات هذه الجماعات بدعة.
4 -القول بأن العمل السري في الإسلام بدعة.
وغير ذلك من الشبهات التي رددت عليها بكتابي (العمدة) .
القسم السادس: شبهات لتسويغ انخراط الجماعات الإسلامية في المسار الديمقراطي لصرفها عن الجهاد الواجب.
وذلك بدعوى المصلحة أو باسم الدعوة إلى الله أو باسم الشورى، وقد بيّنت فساد الديمقراطية مع تفنيد هذه المزاعم والشبهات في أول الباب الرابع من هذا الكتاب (آداب العالم والمتعلم) عند الكلام في النية، وأيضا في موضوع السياسة الشرعية بأول هذا المبحث.
بعد هذا العرض الموجز للشبهات الواردة للصد عن تكفير الحكام الحاكمين بغير الشريعة وللصد عن جهادهم، أذكر ما أرجأت الكلام فيه وهي:
رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله.
وقد بلغ الزيغ بالبعض إلى أن حملهم على اختراع شبهات تجعلهم هم أنفسهم يكفرون لما تنطوي عليه شبهاتهم من تنقص الأنبياء وذمهم والتعريض بهم. وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله. وبعض الشبهات الواردة هنا سبق الرد عليها، خاصة في مبحث الاعتقاد وعند الكلام في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، بالمسألة السادسة بموضوعنا هذا، ومثل هذه الشبهات سيكون الرد عليها بالإحالة إلى ماسبق ذِكره فيها. وهذا سرد للشبهات الواردة لمنع تكفير هؤلاء الحكام:
الشبهة الأولى: أن قول الله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، في أهل الكتاب لا المسلمين.
وهذه الشبهة قد سبق الرد عليها في المسألة السادسة، وبيّنت أن النص عام يلزم المسلمين من سبعة أوجه.
وأضيف إلى ذلك: أن هذا ليس هو النص الوحيد الدال على كفر هؤلاء الحكام بل قد ذكرت في المسألة السادسة أنه
(1) (منهاج السنة النبوية) 7/ 220 - 221، بتحقيق د. محمد رشاد سالم