فهرس الكتاب

الصفحة 1183 من 1285

قد دَلّ على كفرهم عدة نصوص مقسمة على ثلاثة مناطات وهي: ترك الحكم بما أنزل الله، وتشريع مايخالف شرع الله، والحكم بغير ماأنزل الله. فإذا احتال زائغ لإبطال الاحتجاج بهذه الآية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم ... ) فماذا يصنع بغيره من النصوص العديدة الدالة على كفر هؤلاء الحكام؟.

الشبهة الثانية: أن الكفر في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، هو كفر أصغر غير مخرج من الملة.

وهذه أيضا سبق الرد عليها في المسألة السادسة، وأنه كفر أكبر من أربعة أوجه.

ويقال هنا أيضا: إن هذا ليس هو النص الوحيد الدال على كفر هؤلاء الحكام.

الشبهة الثالثة: أن هؤلاء الحكام لايكفرون إلا إذا جحدوا حكم الله أو إذا استحلوا الحكم بغيره.

وهذه أيضا قد سبق الرد عليها في المسألة السادسة، وبيّنت:

1 -أن الجحد والاستحلال مناطات مكفرة، ولكنها ليست هي مناطات التكفير الواردة في الآيات الدالة على كفر الحكام كمناط ترك حكم الله والحكم بغيره في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم ... ) الآية، وكمناط اتباع التشريع المخالف في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31، وقوله (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121.

2 -أن الذنوب المكفرة بذاتها كالحكم بغير ماأنزل الله لايشترط للتكفير بها جحد أو استحلال بل من اشترط هذا فقد قال بقول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف، ويراجع هنا ماذكرته في مبحث الاعتقاد في التنبيه الهام المذكور بتعليقي على العقيدة الطحاوية، وفي نقد كتاب (القول القاطع) ، وفي نقد (الرسالة الليمانية) . وقد أشرت إلى هذا أيضا في المقدمتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة بالمسألة الخامسة بهذا الموضوع.

3 -كما ذكرت في المقدمة السابعة عشرة أن شرط الاستحلال المكفر متوفر في الحكم بالقوانين الوضعية.

الشبهة الرابعة: أن الحكام الحاليين ليسوا هم الذين وضعوا القوانين الوضعية المعمول بها.

والرد عليها من ثلاثة أوجه:

1 -أن وضع القوانين مناط مكفر (وهو مناط التشريع المخالف لشرع الله) ، أما الحكم بها فهو مناط مكفر آخر (وهو مناط الحكم بغير ماأنزل الله) ، فإن أفلت الحاكم من مناط التشريع وقع في مناط الحكم بها. فكيف وهو واقع فيهما؟ فمن جهة مناط التشريع: فإن معظم الحكام لهم صلاحيات تشريعية في الدستور كما أنهم وإن لم يضعوا معظم القوانين المعمول بها بأنفسهم إلا أنهم يجيزونها بل ويُلزمون الرعية بالعمل بها. والأمر بالكفر كفر، والحكم بقوانين الكفر كفر.

2 -أن هذه هي صورة سبب نزول قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة:44، فالذين أنزل فيهم النص لم يكونوا هم الذين بدّلوا حكم الله في الرجم ولكن بدّله أسلافهم كما تدل عليه أحاديث سبب النزول خاصة رواية الطبري عن أبي هريرة وقد سبق أن ذكرتها، ولكن الذين نزل فيهم النص وأكفرهم الله وإن لم يبدّلوا حكم الله لكنهم حكموا بهذا الحكم المبَدّل. فحال الحكام المعاصرين كحالهم، وصورة سبب النزول قطعية الدخول في النص كما في المقدمة السابعة.

3 -أن التتار الذين نقل ابن تيمية وابن كثير الإجماع على كفرهم لحكمهم بغير شريعة الإسلام (بالياسق) مع دعواهم الإسلام، لم يكونوا هم الذين وضعوا ذاك الياسق وإنما وضعه جدهم الوثني جنكيز خان. وقد سبق تفصيل هذا في المسألة السابعة عند ذِكر الإجماع، فصورة الحكام المعاصرين كصورتهم، وحكمهم كحكمهم، بل إنهم أشد إجرامًا لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت