ولو قال (المفسِّرة للأمر الصريح الوارد في كتاب الله تعالى) لكان أفضل. فهذا الدليل الأول، والثاني:
2 -صريح الأمر الوارد في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) الأحزاب: 59. والجلابيب جمع جلباب، قال القرطبي [والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن، وفي صحيح مسلم عن أم عطية قلت: يارسول الله، إحدانا لايكون لها جلباب؟، قال (لتلبسها أختها من جلبابها) . واختلف الناس في صورة إرخائه، فقال ابن عباس وعَبِيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لايظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها] [1] . وقال ابن كثير - في هذه الآية - [قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة، وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عزوجل (وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى] [2] . فهذا الدليل الثاني، ويكفي في هذا الموضوع الدليل الأول، ولكن كثرة الأدلة مما يزيد الحكم قوة.
3 -ودليل ثالث: ماروته السيدة عائشة رضي الله عنها في قصة حادثة الإفك، قالت [كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله عليه الصلاة والسلام معه، قالت: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد مانزل الحجاب - ثم ذكرت قصة تخلفها عن الجيش عند رجوعه، إلى أن قالت: - فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السُّلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان ٍ نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فَخَمرّت وجهي بجلبابي] [3] ، قال ابن حجر في شرحه [قوله بعدما نزل الحجاب أي بعدما نزل الأمر بالحجاب، والمراد حجاب النساء عن رؤية الرجال لهن، وكن قبل ذلك لايُمنعن - إلى أن قال - قوله [فعرفني حين رآني] هذا يُشعر بأن وجهها انكشف لما نامت، لأنه تقدم أنها تلففت بجلبابها ونامت، فلما انتبهت باسترجاع صفوان بادرت إلى تغطية وجهها، قوله [وكان يراني قبل الحجاب] أي قبل نزول آية الحجاب] [4] .
قلت: وهذا نص صريح في أن النساء كن يكشفن وجوههن قبل نزول آية الحجاب، وكن يسترنها بعد نزولها، ويدل على أن المقصود بآية الحجاب هو ستر الوجه كما سبق في الدليلين السابقين.
وبمثل هذا التدرج في التشريع وفق ابن تيمية بين قولي ابن عباس وابن مسعود في قوله (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) النور: 31، فقال ابن عباس: في [ماظهر منها] الوجه والكفان، وقال ابن مسعود: [ماظهر منها] الثياب، ومع تعارض قوليهما يجب رد التنازع إلى الكتاب والسنة، وبالرد إلى الأدلة السابقة يتبين لنا صواب قول ابن مسعود وترجيحه على قول ابن عباس. ومع ذلك فقد ذهب ابن تيمية إلى التوفيق بين هذين القولين المتعارضين فقال (وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر
(1) (تفسير القرطبي) 14/ 243
(2) (تفسير ابن كثير) 3/ 518 وذكر ابن جرير الطبري مزيد بيان لصفة إدناء الجلباب فراجعه في تفسيره، ج 22 ص 46
(3) الحديث رواه البخاري (4750)
(4) (فتح الباري) ج 8 ص 458 - 462