الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عزوجل آية الحجاب بقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) الأحزاب: 59، حُجِبَت النساء عن الرجال - إلى أن قال - فإذا كُن مأمورات بالجلباب لئلا يُعرفن، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب: كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت بألا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين] [1] ، ثم ذكر ابن تيمية دخول النسخ صريحا في هذا الأمر فقال [الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ماكان قبل النسخ، بل لاتبدي إلا الثياب] [2] .
فهذا ماجرى عليه عمل الصحابيات بعد نزول آية الحجاب، أنهن كن يسترن وجوههن، ومنه أيضا مارواه مسلم في قصة خروج النبي عليه الصلاة والسلام من عند عائشة إلى البقيع وخروجها على إثره، وفيه قالت عائشة [وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنّعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع] [3] ، ودلالته ظاهرة، فهذا الدليل الثالث.
4 -ودليل رابع: وهو قوله عليه الصلاة والسلام (لاتنتقب المرأة المُحرِمة ولاتلبس القفازين) [4] .
ويدل هذا الحديث بمفهومه - مفهوم المخالفة - على أن غير المحرمة تنتقب وتلبس القفازين أي تغطي وجهها وكفيها. قال ابن تيمية رحمه الله [وثبت في الصحيح «أن المرأة المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين» ، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن] [5] .
على أن هذا الحديث لايدل بمنطوقه على أمر المُحرمة بكشف وجهها وإنما يدل على نهيها عن لبس النقاب والقفازين لاغير، ثم إن لها أن تستر وجهها بعد ذلك بما شاءت من الثياب، ويدل على هذا فعل الصحابيات وتقرير النبي عليه الصلاة والسلام لهن، وعلى هذا جمهور الفقهاء، ودليله:
قول عائشة رضي الله عنها [كان الرُّكبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله عليه الصلاة والسلام مُحرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه] [6] .
وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر [أنها قالت كنا نُخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق] . وفاطمة زوجة هشام وابنة عمه، وأسماء جدتهما. يدل حديثا عائشة وفاطمة بنت المنذر على مافهمته الصحابيات من أن نهي المحرمة عن لبس النقاب والقفازين يعني النهي عن لبس المفصَّل على قدر الوجه واليدين، ولايعني كشف الوجه، بل لها أن تغطي وجهها بغير النقاب كما فعلن. كما أن الرجل المحرم ينهى عن لبس السراويل المخيطة ولايعني هذا كشف عورته، بل يلبس الإزار بدل السروال [7] .
قال الخطابي في شرح سنن أبي داود [وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها: عطاء ومالك
(1) (مجموع الفتاوي) ج 22 ص 110 - 111
(2) (المرجع السابق) ص 114
(3) الحديث رواه مسلم بآخر كتاب الجنائز
(4) رواه البخاري وغيره عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا
(5) (مجموع الفتاوى) ج 14 ص 371 - 372، و ج 15 ص 371 - 372
(6) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة
(7) انظر (مجموع الفتاوي ابن تيمية) ج 22 ص 120، وج 26 ص 112 - 113