5 -كتاب (السيل الجرار) للشوكاني، ج 4 ص 127 - 132.
هذا لمعرفة وجوب ستر الوجه، أما خطأ الألباني في هذا فقد رد عليه الكثيرون منهم:
الشيخ الشنقيطي في تفسير آية الحجاب بسورة الأحزاب، في (أضواء البيان) ج 6 ص 595 وما بعدها، ولم يذكر الألباني بالاسم، وإنما قال (وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى، فالعجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنة مايدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب) إلى آخر ماذكره.
والشيخ حمود التويجري في كتابه (الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور) .
والشيخ صالح بن إبراهيم البليهي في كتابه (يافتاة الإسلام إقرأي حتى لا تخدعي) ط مكتبة الأمة بقطر، وذكر فيه أسماء الذين ردوا على الألباني وكتاباتهم، فلتراجع فيه. وقد أدلى في كتابه هذا بآراء سياسية غير سديدة، كان أولى به أن ينزه كتابه عنها، وقد قال عزوجل (وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا) النساء: 105.
وقد اشتملت هذه الردود على نقد مااستدل به الألباني مع ذكر أدلة وجوب ستر الوجه.
إلا أن أحدًا من أصحاب هذه الردود لم يتكلم في أمرٍ هام ألا وهو أهمية النظر في عمل سلف الأمة في المسألة محل النزاع، وأثر ذلك في الترجيح، فإن الأمة لم تكن لتجتمع على ضلالة، والسلف أعلم بالأدلة من الكتاب والسنة وما يفهم منهما، وهذا أنصح به كل من كان يريد أن يأتي بقولٍ جديدٍ يظن أن الأدلة تعضده أن ينظر فيما جرى عليه العمل في سالف هذه الأمة، فما الذي جرى عليه العمل بشأن ستر النساء وجوههن؟، والجواب: أنه قد تبين لك من الأدلة الأربعة التي ذكرتها آنفا كيف استقر عمل الصحابيات على ستر وجوههن بعد نزول آيات الحجاب بعدما كن يكشفنها قبل ذلك، وعلى هذا جرى العمل بين نساء المسلمين كما يدل عليه ماقاله أبو حامد الغزالي المتوفي في أول القرن السادس الهجري (505 هـ) ، قال رحمه الله [والخروج الآن مباح للمرأة العفيفة برضا زوجها ولكن القعود أسلم وينبغي أن لا تخرج إلا لمهم، فإن الخروج للنظارات والأمور التي ليست مهمة تقدح في المروءة وربما تفضي إلى الفساد، فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال، ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه، بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، فإن لم تكن فتنة فلا: إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات، ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقب أو منعن من الخروج إلا لضرورة] [1] .
هذا كلام الغزالي في أول القرن السادس الهجري، وتأمل قوله [إذ لم يزل الرجال على ممر الأزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات] . هذا عمل سلف الأمة الذي اعتبره الشاطبي - ومن قبله الغزالي في (المستصفى) 2/ 396، وأبوبكر الحازمي في (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) ص 19 - اعتبروه جميعا وسيلة من وسائل الترجيح بين الأدلة الشرعية المتعارضة، ولايَرد هنا الاعتراض الذي ذكرناه في نقد أصول المالكية من ردهم الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة، لسببين: أحدهما: أن النظر هنا في عمل الأمة كلها لاعمل بعضها كأهل المدينة، والسبب الثاني: أن عمل الأمة هنا مرجح لدليل على دليل ليس حجة لاسقاط العمل بدليل سالم من المعارض كما فعل المالكية.
وقد أسهب الشاطبي في بيان ذلك في حين أوجز الغزالي والحازمي، فقال الشاطبي رحمه الله [فإن موافقة العمل - أي للدليل - من أوجه الرجحان، فإن موافقته شاهد للدليل الذي استدل به، ومُصدّق له، على نحو ما يصدقه الإجماع،
(1) (إحياء علوم الدين) ج 2 ص 53