فهرس الكتاب

الصفحة 1230 من 1285

فإنه نوع من الإجماع فِعْليّ، بخلاف ما إذا خالفه فإن المخالفة موهّنة له أو مكذبة. وأيضا فإن العمل مخلص للأدلة من شوائب المحامل المقدرة الموهنة، لأن المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة، لايستقيم إعمال الدليل دونها، ومعين لناسخها من منسوخها، ومبين لمجملها، إلى غير ذلك، فهو عون في سلوك سبيل الاجتهاد عظيم - إلى قوله - ولذلك لاتجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدًا من المختلفين في الأحكام لا الفرعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مَرّ من ذلك أمثلة. بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة، المنزّهة، - ثم قال الشاطبي: - فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل] [1] . فتأمل قول الشاطبي أنه ما من أحد من المختلفين إلا ويمكنه الاستدلال بشئ من الأدلة ثم إن المرجح في هذا - ضمن المرجحات الكثيرة - النظر في عمل سلف الأمة فإنه مخلص للأدلة من شوائب الاحتمالات المقدرة. وفي نفس الموضوع قال الشاطبي أيضا[كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولًا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريًا أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقتٍ ما، أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاثة أقسام:

(أحدها) أن يكون معمولًا به دائما أو أكثريا، فلا إشكال في الاستدلال به ولافي العمل على وفقه، وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم - إلى قوله:

(والثاني) أن لايقع العمل به إلا قليلا، أو في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال، ووقع إيثار غيره والعمل به دائما أو أكثريا، فذلك الغير هو السنة المتبعة والطريق السابلة. وأما مالم يقع العمل عليه إلا قليلا فيجب التثبت فيه وفي العمل على وفقه، والمثابرة على ماهو الأعم والأكثر. - إلى قوله:

(والقسم الثالث) أن لايثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال فهو أشد مما قبله، والأدلة المتقدمة جارية هنا بالأولى، وما توهمه المتأخرون من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البته، إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء. فعمل الأولين كيف كان مصادما لمقتضى هذا المفهوم ومعارضا له، ولو كان ترك العمل، فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين، وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد عليه الصلاة والسلام لاتجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى، وليس ثَمّ إلا صواب أو خطأ. فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كاف - إلى قوله - وكثيرًا ماتجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم ويغبّرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة ويظنون أنهم على شيء] [2] .

فإذا تأملت ما سبق، علمت أن ماظنه الشيخ الألباني دليلا على عدم وجوب ستر المرأة وجهها يدخل في القسم الثالث، حيث لم يثبت عن الأولين من الصحابة فمن بعدهم إلى عصر الغزالي 505 هـ أنهم عملوا به، وتأمل قول الشاطبي [فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر] وتأمل قوله [وما توهمه المتأخرون من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البته، إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء] .

وبهذا تعلم أهمية النظر في عمل السلف لفهم المراد من الأدلة وللترجيح بينها، ومنه تعلم خطأ ما ذهب إليه الشيخ الألباني إذ قد جرى عمل الأمة على خلاف ما فهمه، فكيف والأدلة الصحيحة التي قدّمناها تردّ قوله؟.

وقد أشار إلى جريان عمل المسلمين على هذا الأمر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية ورئيس قضاتها

(1) (الموافقات) ج 3 ص 76 - 77

(2) (الموافقات) ج 3 ص 56 - 57 و 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت