فهرس الكتاب

الصفحة 1233 من 1285

في أحدٍ منها حجة، هذا إجماع لايختلف العلماء فيه، وينظر بعد ذلك في الأدلة المرجحة لقول على قول.

ومنها: أن ابن عباس صرح بستر الوجه في تفسير قوله تعالى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) الأحزاب: 59، كما ذكرته آنفا، فتضاربت أقواله نفسه.

ومنها: حديث عائشة في تفسير قوله تعالى (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) النور: 31، وقد ذكرته من قبل، وهو يرجح قول ابن مسعود على قول ابن عباس.

وعلى قول ابن تيمية - الذي ذكرته من قبل - فإنه لاتعارض حقيقي لإمكان الجمع بين القولين بحمل قول ابن عباس على ماقبل نزول الحجاب، وقول ابن مسعود وعائشة على مابعد نزوله. فكيف وعمل سلف الأمة بخلاف قول ابن عباس؟. وقد صرّح ابن تيمية بدخول النسخ في هذه المسألة [1] .

وبمثل هذا يجاب عن حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، إنه إن صح فهو محمول على الحال قبل نزول آية الحجاب، فكيف وهو لم يصح؟.

ومعلوم أنه لايصار إلى الترجيح بين الأدلة إلا عند تعذر الجمع بينها، والحق أنه لايوجد دليل صحيح يصلح للاحتجاج به على كشف الوجه، حتى نقول بالجمع أو الترجيح، ولكن لمن يتوهم أنه ثمَّة دليل نقول: إن الجمع ممكن كما قال ابن تيمية، وإن الترجيح ممكن أيضا.

وليس معنى أن يجد الطالب حديثا صحيحًا أن يفتي بموجبه دون النظر فيما يعارضه وفي أقوال العلماء فيه، فقد يكون الحديث صحيحا ولايجوز الإفتاء بموجبه إما لأنه منسوخ وإما لخطأ راويه من الصحابة، كحديث (الماء من الماء) ومافي معناه، وكحديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج السيدة ميمونة وهو مُحْرِم، وهذه أحاديث في الصحاح كالبخاري وغيره، ولايجوز الإفتاء بها. ولهذا قال أحمد بن حنبل - في الإفتاء من كتب الحديث - [لايعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمرٍ صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم] [2] .

وقد كان أهل الرأي من الفقهاء قديما يزرون على طلاب الحديث أنهم لايفقهون شيئا من فقه الأحاديث وكيفية الاحتجاج بها، ويصفونهم أنهم مجرد رواة لايعرفون معنى مايروونه، وأنهم زوامل للأسفار، والزوامل هي الإبل المعدة للحمل. وكان هذا هو الدافع للخطيب البغدادي لتأليف كتابه (الفقيه والمتفقه) فقد ذكر في كتابه هذا أنه كتبه لتبصير المشتغلين بالحديث بأصول الاحتجاج به وكيفية الاستنباط منه، وهو ما كان يعيبه عليهم أصحاب الرأي [3] .

وهذا آخر ماأذكره من كلام عن كتاب تلميذ الألباني (تنوير العينين) .

(فائدة) دعوة الألباني هي نفس دعوة قاسم أمين الملقَّب بمحرر المرأة.

بقي أن تعلم أن ما قاله الشيخ الألباني من عدم وجوب ستر المرأة وجهها هو عين مادعا إليه قاسم أمين صاحب دعوى ما سُمِّيَ (بتحرير المرأة) في مطلع القرن العشرين الميلادي، فلم يكن قاسم أمين يطمع في أكثر من كشف المرأة وجهها مع سترها لبقية بدنها بخلاف مايظنه البعض من أنه دعا للسفور الكامل، وإن كانت دعوته الآثمة قد تمخضت عن

(1) (مجموع الفتاوى) ج 22 ص 110 - 114

(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 206

(3) انظر (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 71 - 72

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت