من النبل حفظها من أن تُهاجَم أو تُمس] [1] .
هذا، وقد قيل إن الشيخ محمد عبده هو الذي ألّف كتاب (تحرير المرأة) فقد استدل فيه ببعض النصوص الشرعية كالتي استدل بها الألباني، إلا أن محمدًا عبده لم يجرؤ أن يضع اسمه على الكتاب فنسبه إلى قاسم أمين [2] .
وبهذا تعلم أن نساء المسلمين لم يكن يغطين وجوههن إلى زمن أبي حامد الغزالي فحسب بل إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري (وهو مطلع القرن العشرين الميلادي) . هذا ماجرى عليه عمل المسلمين من لدن زمن الصحابة إلى عقود خلت، حتى خرج علينا الشيخ الألباني بدعوى عدم وجوب ستر المرأة وجهها ظنا منه أن الأدلة الشرعية تؤيد دعواه، وإنما أدّاه إلى هذا منهجه الشاذ في الاستنباط كما ذكرت من قبل.
إن أمر النقاب أعظم من أنه سترٌ لوجه المرأة، إنه أمر صيانة أخلاق الأمة بأسرها بسد ذرائع الفساد واتباع الشهوات، قال الشاعر:
مبدأ الآفات كلها من النظر:. ومعظم النار من مستصغر الشرر
وإن المرأة كلها عورة، وإذا خرجت استشرفها الشيطان يزيِّن النظر إليها، فكيف بالوجه وهو مجمع الحُسْن. إن ستر وجه المرأة لو لم يكن دينًا وشريعة لكان في عُرف العقلاء حسنًا، كما قال ابن حجر رحمه الله [ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أنَّ الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته] [3] ، هذا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
(فائدة) في أن الحجاب ينبغي أن يكون سلوك أمة ونظام دولة.
الحجاب بمعناه الواسع الذي ذكرناه من قبل - وهو ستر أبدان النساء، وسترهن عن الاختلاط بالرجال الأجانب، وسترهن في البيوت - هو في الإسلام سلوك أمة ونظام دولة.
أما الأمة: فإنه ينبغي أن يقوم كل فرد بواجبه في هذا الشأن، المرأة في ذات نفسها، والرجل يُلزم به رعيته من النساء فيلزمهن بالحجاب وعدم الاختلاط بالأجانب في البيوت وفي خارجها، ولايخرجهن من البيوت لغير حاجة أو ضرورة، وينبغي أن يستر كل إنسان مسكنه حتى لا يطلع عليه أحد بخارجه، وحتى لا يطلع هو على عورات الآخرين.
وأما الدولة: فإنها ينبغي أن تلزم المحتسبين بزجر المتبرجات وزجر أوليائهن من الرجال أو تعزير من يُلزم تعزيره لذلك. كلٌ في موقعه، فهذا من واجباتهم كما ذكر ابن القيم [4] . وقد سد رسول الله عليه الصلاة والسلام ذرائع هذا الاختلاط حتى أنه رَغَّب النساء في الصلاة في بيوتهن حتى لايحضرن الجماعة في المساجد لما في ذلك من مظنة الاختلاط، وذمّ رسول الله عليه الصلاة والسلام آخر صفوف الرجال وأول صفوف النساء في الصلاة لقربهما، وكان عليه الصلاة والسلام يؤخر خروج الرجال من المسجد حتى تنصرف النساء، وأمر النساء ألا يَسِرْن في وسط الطريق بل يتركنه للرجال ويسرن بحافات الطريق، كل هذا لسد ذرائع اختلاط الرجال بالنساء، ومنه نهيه عليه الصلاة والسلام عن الخلوة بامرأة ليس معها محرم، ونهاها عن السفر بغير محرم، وقد صحت الأحاديث في هذا كله. كما ينبغي أن تمنع الدولة الاختلاط في الأماكن العامة كمعاهد الدراسة ودواوين العمل ووسائل المواصلات وغيرها، ويتولى المحتسبون تنفيذ ذلك.
كما ينبغي أن تمنع الدولة الرجال من مباشرة الأعمال التي تقتضي الاطلاع على عورات النساء لغير ضرورة، كمهنة
(1) (الاتجاهات الوطنية) ج 2 ص 248 - 251، ط مؤسسة الرسالة 1982
(2) انظر هامش ص 301 بالجزء الأول من كتاب (الاتجاهات الوطنية) د. محمد محمد حسين، الطبعة السابقة
(3) (فتح الباري) 12/ 245
(4) في كتابه (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) ص 280 - 281