أمكنه ذلك، ويشرح المعانى الغامضة، ويبدأ في تعليمهم بالمسائل الواضحة لا الدقيقة كما ذكرناه في معني العالم الرّبانى من قبل، ويبدأ في تعليمهم بالمتفق عليه من المسائل لا المختلف فيه، وبالراجح قبل المرجوح.
7 -ومن آداب العالم مما يلحق بالتيسير على الطلاب ألا يدرِّس لهم مالم يتأهلوا لتلقيه ممالم يدرسوا مقدماته، وألا يدرِّس لهم ماقد يضرهم أكثر مما ينفعهم لقصور عقولهم عن إدراكه. وقد عقد البخارى رحمه الله بابين لبيان هذه المسألة في كتاب العلم من صحيحه، وهما باب (من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصُر فهمُ بعض الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه) ، وباب (من خَصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لايفهموا) ، وروى فيه البخارى عن علىّ رضى الله عنه قال [حَدِّثوا الناس بما يعرفون أتحبّون أن يُكذَّب اللهُ ورسوله؟] [1] . قال ابن حجر في شرحه [وفيه دليل على أن المتشابه لاينبغى أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود «ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» رواه مسلم. وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التى ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد مايقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ماكان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهى وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. والله أعلم] [2] .
وترك تبليغ بعض العلم إنما يجوز في بعض الأمور غير المتعلقة بالواجبات الشرعية وبيان الحلال والحرام، وعلى هذا حمل العلماء حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال [حَفِظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثتُه، وأما الآخر فلو بثثتُه قُطع هذا البُلعوم] [3] . ويقصد بالوعاءين أى نوعين من العلم، وبقطع البلعوم أى قطع رأسه بواسطة أهل الجور. قال ابن حجر [حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبين أسامى أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكنّى عن بعضه ولايصرِّح به خوفا على نفسه منهم، كقوله «أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان» ، يشير إلي خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبى هريرة فمات قبلها بسنة - إلى أن قال نقلا عن ابن المنيّر - ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ماوسِعه كتمانها لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم] [4] .
وفى تفسير قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) البقرة: 159، ذكر القرطبى حديث أبى هريرة هذا ثم قال [قال علماؤنا: وهذا الذى لم يُبَيّنه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنصّ علي أعيان المرتدين والمنافقين، ونحوهذا مما لايتعلق بالبيّنات والهدى، والله تعالى أعلم] [5] . هذا مايتعلق بأدب العالم في مراعاة حال المخاطبين ومعرفة مايناسبهم من العلم.
8 -ومن آدابه أن ينصح لهم ما أمكنه في بيان الحق من الباطل والصواب من الخطأ، لقوله صلى الله عليه وسلم (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يُحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة) [6] . ولقوله صلى الله عليه وسلم (من أشار على أخيه بأمر يعلَمُ أن الرُّشْدَ في غيره فقد
(1) (حديث 127)
(2) (فتح البارى) ج 1 ص 225
(3) رواه البخارى (حديث 120)
(4) (فتح الباري) ج 1 ص 216 - 217
(5) (تفسير القرطبى) ج 2 ص 186
(6) رواه البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه