فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 1285

فقلت له: هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامةُ، ولم يُكلفها كل الخاصَّة، ومن احتمل بلوغها من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافةً أن يُعطلوها، وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يحرج غيره ممن تركها، إن شاء الله، والفضلُ فيها لمن قام بها على من عطلها.

فقال: فأوجدني هذا خبرًا أو شيئًا في معناه، ليكون هذا قياسًا عليه؟.

فقلت له: فرض الله الجهاد في كتابه وعلى لسان نبيه، ثم أكد النفير من الجهاد فقال: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: 111.

وقال: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) التوبة: 36 - إلى أن قال الشافعي - وقال (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) التوبة: 41.

قال: فاحتملت الآيات أن يكون الجهاد كله - والنَّفير خاصةً منه: على كل مُطيقٍ له. لا يسع أحدًا منهم التخلفُ عنه، كما كانت الصلواتُ والحجُّ والزكاةُ، فلم يخرج أحدُ وجب عليه فرض منها من أن يُؤدي غيرُه الفرض عن نفسه، لأن عمل أحدٍ في هذا لا يُكتبُ لغيره.

واحتملت أن يكون معنى فرضها غير معنى فرض الصلوات، وذلك أن يكون قُصد بالفرض فيها قصد الكفاية فيكون من قام بالكفاية في جهاد من جُوهد من المشركين مُدركًا تأدية الفرض ونافلة الفضل، ومخرجًا مَن تخلف من المأثم.

ولم يُسوي الله بينهما، فقال اللهُ: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) النساء: 95. فأما الظاهرُ في الآيات فالفرضُ على العامة.

قال: فأين الدلالة في أنه إذا قام بعض العامة بالكفاية أخرج المتخلفين من المأثم؟.

فقلت له: في هذه الآية.

قال: وأين هو منها؟

قلت: قال اللهُ: (وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) فوعد المتخلفين عن الجهاد على الإيمان، وأبان فضيلة المجاهدين على القاعدين، ولو كانوا آثمين بالتخلف إذا غزا غيرهم: كانت العقوبة ُ بالإثم - إن لم يعفو الله: أولى بهم من الحسنى.

قال: فهل تجدُ في هذا غير هذا؟

قلت: نعم، قال اللهُ: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) التوبة: 122. وغزا رسول الله وغزا معه من أصحابه جماعة وخلف أخرى، حتى تخلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، وأخبرنا الله أن المسلمين لم يكونوا لينفروا كافةً: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ) فأخبر أن النفير على بعضهم دون بعض، وأن التفقه إنما هو على بعضهم دون بعض ٍ.

وكذلك ماعدا الفرض في عُظمِ الفرائض التي لا يسع جهلها، والله أعلم.

وهكذا كلُّ ما كان الفرضُ فيه مقصودًا به قصد الكفاية فيما ينوبُ، فإذا قام به مِن المسلمين مَن فيه الكفاية ُ خرج مَن تخلف عنه مِن المأثم.

ولو ضيعُوه معًا خفتُ أن لا يخرج واحدٌ منهم مطيقٌ فيه من المأثم - إلى قوله -

قال: ومثل ماذا سوى الجهاد؟

قلت: الصلاةُ على الجنازة ودفنها، لا يحلُّ تركُها ولا يجبُ على كل مَن بحضرتها كلهم حضورها، ويُخْرِجُ مَن تخلف مِن المأثم مَن قام بكفايتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت