وهكذا ردّ السلام، قال الله: (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) النساء: 86. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُسلم ُ القائمُ على القاعد» . و: «إذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم» وإنما أريد بهذا الرد، فرد القليل جامع لاسم «الرد» ، والكفاية فيه مانع لأن يكون الرد معطلًا.
ولم يزل المسلمون على ما وصفتُ، منذُ بعث الله نبيه - فيما بلغنا - إلى اليوم: يتفقه أقلهم، ويشهدُ الجنائز بعضهم، ويجاهدُ ويرد السلام بعضهم، ويتخلف عن ذلك غيرهم، فيعرفون الفضل لمن قام بالفقه والجهاد وحضور الجنائز ورد السلام، ولا يؤثمون من قصر عن ذلك، إذا كان بهذا قائمون بكفايته] [1] . وكما ترى فقد قسّم الشافعي رحمه الله العلم - من حيث وجوبه - إلى قسمين:
فرض العين: وهو ما وصفه الشافعي بأنه [علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله] . ويقصد بالبالغ العاقل أي المكلَّف.
وفرض الكفاية: وهو ما وصفه الشافعي بأنه [هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامة ولم يكلفها كل الخاصة - إلى قوله - وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يَحْرَج غيره ممن تركها، إن شاء الله، والفضل فيها لمن قام بها على من عّطلها] .
ثم نتابع سرد بقية أقوال العلماء حسب ترتيب وفياتهم.
2 -قول أبي محمد بن حزم الأندلسي رحمه الله (ت 456 هـ) - في «الإحكام» -
(الباب الحادي والثلاثون: في صفة التفقه في الدين، وما يلزم كل امرئ طلبه من دينه) .
[قال أبو محمد: قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) التوبة: 122 فبين الله عز وجل في هذه الآية وجه التفقه كله، وأنه ينقسم قسمين:
أحدهما: يخص المرء في نفسه، وذلك مبين في قوله تعالى: (وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل حكم ما يلزمه.
والثاني: تفقه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذرًا لقومه وطبقته، قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43، ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه في تعرف ما ألزمه الله تعالى إياه، وقد بينا قبل أن الاجتهاد هو افتعال من الجهد، فهو في الدين إجهاد المرء نفسه في طلب ما تعبده الله تعالى به في القرآن، وفيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا دين غيرهما، فأقلهم في ذلك درجة مَن هو في غمار العامة ومن حدث عهده بالجلب من بلاد الكفر وأسلم من الرجال والنساء. وقد ذكرنا كيف يطلب هؤلاء علم ما يلزمهم من شرائع الإسلام، في باب إبطال التقليد من كتابنا هذا فأغنى عن ترداده، ونذكر منه ها هنا ما لابد من ذكره] .
«العلم الواجب العيني العام»
[وهو أن كل مسلم عاقل بالغ من ذكر أو أنثى حر أو عبد يلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضا بلا خلاف من أحد من المسلمين، وتلزم الطهارة والصلاة المرضى والأصحاء، ففرض على كل من ذكرنا أن يعرف فرائض صلاته وصيامه وطهارته، وكيف يؤدي كل ذلك، وكذلك يلزم كل من ذكرنا أن يعرف ما يحل له ويحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأقوال والأعمال، فهذا كله لا يسع جهله أحدا من الناس، ذكورهم وإناثهم أحرارهم وعبيدهم وإمائهم. وفرض عليهم أن يأخذوا في تعلم ذلك من حين يبلغون الحلم وهم مسلمون، أو من حين يسلمون بعد بلوغهم الحلم. ويجبر الإمام أزواج النساء وسادات الأرقاء على تعليمهم ما ذكرنا، إما بأنفسهم وإما بالإباحة لهم لقاء من يعلمهم.
وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك، وأن يرتب أقواما لتعليم الجهال.]
«العلم الواجب العيني الخاص»
(1) انتهى كلام الشافعي رحمه الله في أقسام العلم نقلا عن (الرسالة) للشافعي بتحقيق أحمد شاكر، ص 357 - 369