[ثم فرض على كل ذي مال تعلم حكم ما يلزمه من الزكاة وسواء الرجال والنساء والعبيد والأحرار، فمن لم يكن له مال أصلا فليس تعلم أحكام الزكاة عليه فرضا. ثم من لزمه فرض الحج ففرض عليه تعلم أعمال الحج والعمرة، ولا يلزم ذلك مَن لا صحة لجسمه ولا مال له. ثم فرض على قواد العساكر معرفة السير وأحكام الجهاد وقسم الغنائم والفيء. ثم فرض على الأمراء والقضاة تعلم الأحكام والأقضية والحدود، وليس تعلم ذلك فرضا على غيرهم ثم فرض على التجار وكل من يبيع غلته تعلم أحكام البيوع وما يحل منها وما يحرم وليس ذلك فرضا على مَن لا يبيع ولا يشتري] .
«العلم الواجب الكفائي»
[ثم فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو دسكرة - وهي المجشرة عندنا - أو حلة أعراب أو حصن أن ينتدب منهم لطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها، ولتعلم القرآن كله، ولكتاب كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الأحكام أولها عن آخرها وضبطها بنصوص ألفاظها، وضبط كل ما أجمع المسلمون عليه وما اختلفوا فيه: من يقوم بتعليمهم وتفقيههم من القرآن والحديث والإجماع، ويكتفى بذلك على قدر قلتهم أو كثرتهم بالآية التي تلونا في أول هذا الباب بحسب ما يقدر أن يعمهم بالتعليم، ولا يشق على المستفتي قصده، فإذا انتدب لذلك من يقوم بما ذكرنا فقد سقط عن باقيهم إلا ما يلزمه خاصة نفسه فقط على ما ذكرنا آنفا، ولا يحل للمفقه أن يقتصر على آراء الرجال دون ما ذكرنا.
فإن لم يجدوا في محلتهم مَن يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم ولو أنهم بالصين، لقوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) التوبة: 122، والنفار والرجوع لا يكون إلا برحيل. ومن وجد في محلته من يفقهه في صنوف العلم كما ذكرنا فالأمة مجمعة على أنه لا يلزمه رحيل في ذلك، إلا القصد إلى مسجد الفقيه أو منزله فقط، كما كان الصحابة يفعلون مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا القول في حفظ القرآن وتعليمه، ففرض على كل مسلم حفظ أم القرآن وقرآن ما، وفرض على جميع المسلمين أن يكون في كل قرية أو مدينة أو حصن مَن يحفظ القرآن كله ويعلمه الناس ويقرؤه إياهم، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءته. فصح بكل ما ذكرنا أن النفار المذكور فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين] [1] .
3 -قول الخطيب البغدادي رحمه الله (ت 463 هـ) - في «الفقيه والمتفقِّه» -
روى الخطيب بإسناده عن علي بن أبي طالب وعن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (طلب الفقه فريضة على كل مسلم) . ثم قال الخطيب [قال بعض أهل العلم إنما عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القول علم التوحيد وما يكون العامل به مؤمنا وأن العلم بذلك فريضة على كل مسلم ولا يسع أحدا جهله إذ كان وجوبه على العموم دون الخصوص.
وقيل معناه إن طلب العلم فريضة على كل مسلم إذا لم يقم بطلبه من كل سقع وناحية مَن فيه الكفاية وهذا القول يروى عن سفيان بن عيينة. أنا أبو مسلم جعفر بن باي الفقيه الجيلي نا أبو العباس أحمد بن عبدالرحمن بن يوسف الأسدي الأصبهاني نا القاضي عمرو بن عثمان أبو سهل قال سمعت أبا الفضل جعفر بن عامر البزار قال سمعت مجاهد بن موسى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم) قال: كنا عند ابن عيينة فجرى ذكر هذا الحديث فقال ابن عيينة ليس على كل المسلمين فريضة إذا طلب بعضهم أجزأ عن بعض مثل الجنازة إذا قام بها بعضهم أجزأ عن بعض ونحو ذلك، قلت والذي أراد ابن عيينة معرفة الأحكام الفقهية المتعلقة بفروع الدين فأما الأصول التي هي معرفة الله سبحانه وتوحيده وصفاته وصدق رسله فمما يجب على كل أحد معرفته ولا يصح أن ينوب فيه بعض المسلمين عن بعض.
(1) (الإحكام في أصول الأحكام) لابن حزم ج 5 ص 121 - 123 - - وقد وضعت ثلاثة عناوين فرعية خلال كلام ابن حزم وهي «العلم الواجب العيني العام» و «العلم الواجب العيني الخاص» و «العلم الواجب الكفائي» ، لبيان الأقسام الواردة في كلامه