فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 1285

الشرط السابع: العدالة

ونتكلم في هذا الشرط عن مسألتين: الأولى تعريف العدالة، والثانية أقسام الناس من جهة العدالة مع بيان حكم إفتاء كل منهم.

المسألة الأولى: تعريف العدالة، وشروطها.

أما تعريف العدالة:

فقيل هي (استواء أحوال المرء في دينه) .

وقيل هي (مَلَكَة - أي هيئة راسخة في النفس - تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالّة على الخِسة، أو مباح يُخِل بالمروءة) . قال السيوطي: [وهذه أحسن عبارة في حدّها، وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر، لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كافٍ في صدق العدالة] [1] .

وأما شروط العدالة وضوابطها فثلاثة: أداء الفرائض برواتبها، واجتناب المحرمات، واستعمال المروءة، وهذا بيانها:

أ - أداء الفرائض برواتبها: فليس بعدل ٍ من داوم على ترك الرواتب، فإن تهاونه بها يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وربما جَرَّ إلى التهاون بالفرائض، وكذا ماوجب من صوم وزكاة وحج. وانخرام العدالة بالمداومة على ترك السنن الراتبة هو مذهب جماهير العلماء ولايشكل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفلح إن صدق) الحديث، لمن اقتصر على الفرائض دون النوافل، فإنه قيّد فلاحه بالصدق في هذا وهو مالا يمكن الجزم به لآحاد الناس، هذا فضلا عما ثبت من أن التقصير في أداء الفرائض ينجبر بالنوافل، وقد جعل الله للواجبات حِميً من المندوبات للترهيب من ترك الواجب، كما جعل للمحرمات حِميً من المكروهات للترهيب من فعل المحرم، فإن من داوم على فعل المندوب كان لفعل الواجب أدوم، ومن داوم على ترك المكروه، كان للحرام أشد تركًا، وقد دل على هذا كله حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن) [2] .

ب - اجتناب المحرَّم: بأن لايأتي كبيرة ولايُدْمِن على صغيرة. لقوله تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، وقال تعالى في القاذف (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: 4، ويُقاس عليه كل مرتكب كبيرة لأنه مستخف بدينه ولايؤمَن من مثله الكذب على الله وعلى الناس.

والكبيرة هي: (ما فيه حَدّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة) وهذا قول أحمد بن حنبل رحمه الله، وزاد ابن تيمية رحمه الله (أو ماورد فيها لعنة أو غضب أو نفي إيمان) .

وهذا كله من الوعيد فمن لَعَنَهُ الله ُ أو غضب عليه فقد توعّده، فكأن ابن تيمية فصَّل ماأجمله أحمد. وأقول: ومن الكبائر ماورد النص بأنه كبيرة كأحاديث (أكبر الكبائر .... ) و (اجتنبوا السبع الموبقات .... ) و (بلى إنه لكبير ) ، ومن الكبائر ماورد النص بوصف صاحبه بالفسق كقوله تعالى (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) الحجرات: 11.

والصغيرة: مادون ذلك، ولا تجرح العدالة بفعلها إلا إذا أكثر منها أو أدْمنها، قال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) النجم: 32.

(1) (الأشباه والنظائر) ط دار الكتاب العربي 1407هـ، ص 608

(2) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت