ج - استعمال المروءة: بفعل مايُجَمِّله ويُزَيِّنه من مكارم الأخلاق وترك مايُدنِّسه ويشينه مما يُستقبح عرفا لا شرعا (إذ إن المستقبح شرعا يلتحق بالكبائر والصغائر) أما المستقبح عرفا فمثل من يكشف من بدنه ماجرت العادة بتغطيته وإن لم يكن كشفُه حراما، وككشف الرأس بالبلاد التي جرت العادة فيها بتغطيته، والأكل بالأسواق بالبلاد التي يستقبح فيها ذلك، ولُبس الثياب المستنكرة، وحكاية المضحكات.
وأصل اعتبار المروءة ضمن شروط العدالة هو قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [1] . فإن من لايستعمل المروءة بمخالفة عرف أهل بلده دل ذلك على عدم حيائه، ومن لم يستح يتوقع منه الكذب ونحوه للحديث (إذا لم تستح فاصنع ماشئت) . ولايخفى أن العرف المعتبر هو مالا يخالف الشرع. [2]
وقال ابن حمدان [والعدل من استمر على فعل الواجب والمندوب والصدق، وترك الحرام والمكروه والكذب، مع حفظ مروءته ومجانبة الريب والتهم بجلب نفع ودفع ضرر] [3] .
المسألة الثانية: أقسام الناس من جهة العدالة مع بيان حكم إفتاء كل منهم
الإنسان من جهة معرفة عدالته: إما أن يكون مجهول الحال أو معلوم الحال:
1 -فمجهول الحال: هو من لا يُعرف حاله، ولا تُعرف عدالته، فهذا لا يجوز استفتاؤه.
2 -ومعلوم الحال: ثلاثة أقسام: العدل ومستور الحال والفاسق.
أ - أما العدل: فصفته كما سبق في تعريف العدالة. وهو من عرفت عدالته من ظاهر حاله مع اختبار باطن حاله، فالعدل هو من عُرفت عدالته الظاهرة والباطنة. وهذا يجوز استفتاؤه.
ب - وأما هذا مستور الحال: فَعَرَّفه ابن الصلاح بقوله [وأما المستور وهو من كان ظاهرُهُ العدالة ولم تعرف عدالته الباطنة] [4] . وعرّفه النووي بقوله] وأما المستور، وهو الذي ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطنا [[5] .
فالفرق بين العدل ومستور الحال هو في معرفة العدالة الباطنة من عدمها.
وعن حكم إفتائه: قال ابن الصلاح]ففي وجه ٍ لاتجوز فتياه كالشهادة والأظهر أنها تجوز لأن العدالة الباطنة تعسُر معرفتها على غير الحكام، ففي اشتراطها حرجٌ على المستفتين، والله أعلم [[6] .
وقال ابن القيم]وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان: والصواب جواز استفتائه وإفتائه [[7] .
تنبيه: مدار أحكام الدنيا على الظاهر، فلا يُحكم على أحدٍ إلا بما ظهر منه، ونكل سرائر الناس إلى الله تعالى، هذا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة وانعقد عليه إجماع الأمة. فليس المقصود بالعدالة الباطنة - في الكلام السابق - الاطلاع علي سرائر الناس فهذا ليس إلا إلى الله تعالى، ولكن المقصود بها اختبار حال الشخص عن قرب عن طريق الصحبة والمعاملة وطول المعاشرة. ويدل على هذا مارواه سليمان بن حرب قال]شهد رجلٌ عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر: إنى لستُ أعرفك، ولايضرك أنى لا أعرفك فائتنى بمن يعرفك، فقال رجل: أنا أعرفه ياأمير المؤمنين، قال: بأى شئ
(1) رواه البخاري
(2) يُراجع في تعريف العدالة: (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 15 ص 356 - 358، و (منار السبيل) ج 2 ص 487 - 489
(3) (صفة المفتى) ص 13
(4) (أدب المفتي) ص 107
(5) (المجموع) ج 1 ص 42
(6) (أدب المفتى) ص 107
(7) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 220