فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 1285

تعرفه؟، فقال: بالعدالة، قال: هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟، قدل: لا، قال: فعامَلَك بالدرهم والدينار الذي يُستدل بهما على الورع؟، قال: لا، قال: فصاحَبَك في السفر الذي يُستدل به على مكارم الأخلاق؟، قال: لا، قال: فلستَ تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك [[1] .

فهذا أثر مُفصَّل يُبَيِّن المراد بالعدالة الباطنة وأنها الحكم على الشخص بعد اختبار حاله لا بمجرد ماظهر منه. فإنه لاتلازم بين العدالة الظاهرة والعدالة الباطنة، وقد يكون الشخص عدلًا في الظاهر فاسقا في الباطن، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم - في وصف الخوارج - (يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) [2] ، وقال ابن حجر في شرحه]وفيه أنه لايكتفى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يُختبر باطن حاله [[3] .

ج - الفاسق: وهو من انخرمت شروط العدالة في حقه كأن يقصِّر في فرض أو يفرِّط في أداء الرواتب، أو يرتكب كبيرة، أو يدمن على صغيرة، أو لايراعي أسباب المروءة. قال ابن حمدان]وتفصيل ذلك في كتب الفقه، وبالجملة كل مايأثم بفعله مرة يفسق بفعله ثلاثا، وإن كان كبيرة فمرة، وكل ماأسقط المروءة أسقط العدالة إذا كثُر، وإن لم يكثر لم يأثم به [[4] .

أما عن حكم إفتائه: فلا يجوز استفتاؤه ولا تُقبل فتواه لأمر الله تعالى بالتوقف في قبول خبر الفاسق، قال تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، وقال تعالى (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: 4 أبدًا، هذا مع إخباره تعالى بحرمان الفاسقين من التوفيق وذلك في قوله تعالى (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة: 24.

وقال الخطيب البغدادي] علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين وإن كان بصيرًا بها [[5] . وقال ابن الصلاح]لا تصح فتيا الفاسق وإن كان مجتهدًا مستقلًا، غير أنه لو وقعت له في نفسِه واقعة عمل فيها باجتهاد نفسه ولم يستفت غيره [[6] .

وقال النووي]اتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه، ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين: ويجب عليه إذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه [[7] .

وقال ابن القيم]وأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيره لم تُقبل فتواه، وليس للمستفتي أن يستفتيه، وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يفتي غيره [[8] .

(1) وهذا الأثر أخرجه أبو جعفر العقيلي وصححه أبو علي بن السَّكن كما قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير) 4/ 197

(2) الحديث رواه البخاري

(3) (فتح الباري) 12/ 302

(4) (صفة الفتوى لابن حمدان) ص 13

(5) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 156

(6) (أدب المفتي) ص 107

(7) (المجموع) ج 1 ص 42

(8) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 220

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت