ومع هذا فقد قال ابن القيم] وإذا عمَّ الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو مُنِعت إمامة الفُسَّاق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعُطّلت الأحكام وفَسَد نظام الخلق، وبطلت أكثرالحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح [[1] .
(فائدة) في استفتاء أهل البدع:
قال النووي]قال الصيمري: وتصحّ فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولانفَسِّقه، ونقل الخطيب هذا، ثم قال: وأما الشراة والرافضة الذين يَسُبّون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة [[2] .
قلت: وضابط هذا ألا يوجد أفضل منه أو مثله في العلم من أهل العدل كما سيأتي في أحكام المستفتي، وفيها نذكر إن شاء الله أنه يجب على كل مسلم معرفة حال من يستفتيه من جهة العدالة، خاصة مع تغير الأحوال وكثرة علماء السوء.
الشرط الثامن: العلم الشرعي:
الأصل في المفتي أن يكون مجتهدًا في الشريعة، إذ لم يختلف المسلمون من السلف والخلف على جواز إفتاء المجتهد واستفتائه. وإن كانوا قد اختلفوا فيمن لم يكن مجتهدًا، كما سيأتي ذكره في (مراتب المفتين) .
وقد سبق تعريف (الاجتهاد) و (المجتهد) في القسم الأول من هذا الفصل، وأن الاجتهاد هو: بذل الفقيه الوِسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط، وأن المجتهد هو هذا الفقيه الباذل وسعه، ولايتمكن من هذا إلا بمعرفة علوم معينة، هي علوم الاجتهاد، ولم يختلف العلماء في أنها خمسة علوم وهي:
1 -معرفة القرآن وعلومه.
2 -معرفة الحديث وعلومه، أي معرفة الحديث رواية ودراية، وتمييز مايحتج به من الحديث مما لا يحتج به.
3 -معرفة الإجماع والاختلاف، أي ماأجمع عليه العلماء قبله ومااختلفوا فيه، وأن يكون قادرًا على معرفة الصواب فيما اختلفوا فيه، أي قادرًا على الترجيح، قال ابن تيمية] الفقيه: الذي سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة، وعنده مايعرف به رجحان القول [[3] .
4 -معرفة اللغة العربية، نحوها وصرفها ومعانيها وأساليبها.
5 -معرفة أصول الفقه، خاصة القياس والتعارض والترجيح.
وقد اختلفت عبارات العلماء في وصف هذه العلوم الخمسة كما اختلفوا في ترتيبها إلا أن كلامهم في مضمونه واحد. كذلك فقد أطلق بعض العلماء القول في القدر الواجب معرفته من كل علم، وحدد بعضهم هذا القدر.
وسوف أذكر - فيما يلي - أولا أقوال من أطلق القول ثم من حدّده، فأما الذين أطلقوا القول في وصف علوم المجتهد ومقدارها، فمنهم حسب ترتيب وَفَيَاتهم -.
1 -الإمام الشافعي رحمه الله (204 هـ) قال] لايحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ماعرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 220
(2) (المجموع) ج 1 ص 42
(3) (الاختيارات الفقهية) ط دار المعرفة، ص 333