فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 1285

وقال القاضي بدر الدين الزركشي في (البحر المحيط في أصول الفقه) ] ضبط بعضهم معرفة ما يحتاج إليه من السنن المتعلقة بالأحكام بثلاثة آلاف حديث. ثم قال وشدد أحمد بن حنبل فاشترط معرفة خمسمائة ألف حديث، قال الزركشي وكان مراده بهذا العدد آثار الصحابة والتابعين، وطرق المتون، ولهذا قال: من لم يجمع طرق الحديث لم يحل له الحكم ولا الفتيا [[1] .

وضبط ابن القيم الأمر فقال:]وسنة رسوله وهي بحمد الله تعالى مضبوطة محفوظة، وأصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث [[2] . قلت: والحد الأدنى الذي ذكره ابن القيم هو عدة أحاديث كتاب (عمدة الأحكام) لعبدالغني المقدسي 600هـ (أحاديثه 407) ، والفرش والتفصيل هو عدة أحاديث كتاب (منتقى الأخبار) لمجد الدين ابن تيمية 653هـ (أحاديثه 5029) وهو الذي شرحه الشوكاني في (نيل الأوطار) ، فهذا مايلزم المجتهد من أحاديث الأحكام، وكذلك ذكر عبدالقادر بن بدران الحنبلي 1346 هـ أن أحاديث المنتقى تكفي المجتهد [3] . هذا والله تعالى أعلم.

3 -أبو محمد بن حزم رحمه الله (456 هـ) [المتأهبون لنذارة قومهم، ولتعليم المتعلم وفتيا المستفتي، وربما للحكم بين الناس: ففرض عليهم تقصي علوم الديانة على حسب طاقتهم، من أحكام القرآن، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ورُتَب النقل، وصفات النقلة، ومعرفة المسند الصحيح مماعداه من مرسل وضعيف، هذا فرضه اللازم له، فإن زاد إلى ذلك معرفة الإجماع والاختلاف، ومن أين قال كل قائل، وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين إلى الكتاب والسنة: فحسن، وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التي يتميز بها الحق من الباطل، وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص، وكل هذا منصوص في القرآن:

قال تعالى: (لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) التوبة: 122. فهذا إيجاب لتعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذين أصل الدين.

وقال تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، فوجب بذلك تَعَرّف عدول النقلة من فساقهم، وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم.

وأما معرفة الإجماع والاختلاف فقد زعم قوم أن هذا يجب بقوله تعالى: (اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59، قال: ففرض علينا معرفة ما اتفق عليه أولوا الأمر منا، لأننا مأمورون بطاعتهم، ولا يمكننا طاعتهم إلا بعد معرفة إجماعهم الذي يلزمنا طاعتهم فيه.

وأما معرفة الاختلاف ومعرفة مايتنازعون فيه ومعرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة فبقوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59. ففرض علينا معرفة مايتنازعون فيه ومعرفة كيف يرد ذلك إلى الكتاب والسنة، لأننا إن لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذي نسمعه من بعض العلماء لاخلاف فيه، فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة، فنخطئ ونعصي الله تعالى إذ أخذنا قولا نهينا عن اتباعه.

فأما معرفة كيفية إقامة البرهان فبقوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) البقرة: 111.

فلم نقل شيئا إلا ما قاله ربنا عزوجل وأوجبه علينا. والحمد لله رب العالمين.

(1) نقل هذا السيوطي في (الرد على من أخلد إلى الأرض) ص 151 - 152

(2) (اعلام الموقعين) ج 2 ص 238

(3) انظر (المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل) لابن بدران، ط مؤسسة الرسالة 1401هـ، ص 466

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت