وقال تعالى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) البقرة: 106، ففرض علينا معرفة الناسخ من المنسوخ.
وفرض على من قصد التفقّه في الدين كما ذكرنا أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم: 4، ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله عزوجل، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يُعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة وهي الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني: فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا عليه السلام، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يَحِلّ له الفتيا فيه، لأنه يفتي بما لا يدري، وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: 36. وبقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الحج: 3 الحج: 8.
وبقوله تعالى: (هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) آل عمران: 66.
وقال تعالى: (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) النور: 15.
وفرض على الفقيه أن يكون عالما بسير النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم آخر أوامره وأولها، وحربه عليه السلام لمن حارب، وسِلْمه لمن سالم، وليعرف على ماذا حارب، ولماذا وضع الحرب. وحَرّم الدم بعد تحليله، وأحكامه عليه السلام التي حَكَم بها.
فمن كانت هذه صفته، وكان وَرِعًا في فتياه، مشفقا على دينه، صليبا في الحق، حلت له الفتيا، وإلا فحرام عليه أن يفتي بين اثنين، أو أن يحكم بين اثنين، وحرام على الإمام أن يقلده حكما، أو يتيح له فتيا، وحرام على الناس أن يستفتوه، لأنه إن لم يكن عالما بما ذكرنا فلم يتفقه في الدين، وإن لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق، وإن لم يكن صليبا لم يأمر بمعروف ولانهى عن منكر] [1] .
4 -أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله (643 هـ) قال:] المفتي المستقل، وشرطه: أن يكون مع ماذكرناه قيمًا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وماالتحق بها على التفصيل، وقد فصلت في كتب الفقه، وغيرها. فتيسرت والحمد لله. عالمًا بما يُشترط في الأدلة ووجوه دلالتها، وبكيفية اقتباس الأحكام منها، وذلك يُستفاد من علم أصول الفقه. عارفًا من علم القرآن، وعلم الحديث، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلمي النحو، واللغة، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، ذا دربةٍ وارتياض ٍ في استعمال ذلك، عالمًا بالفقه، ضابطًا لأمهات مسائله وتفاريعه المفروغ من تمهيدها.
فمن جمع هذه الفضائل فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدي به فرض الكفاية، ولن يكون إلا مجتهدًا مستقلًا.
والمجتهد المستقل: هو الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليدٍ وتقيد ٍ بمذهب واحد [.[2]
وبعد: فقد كانت تلك أقوال العلماء في وصف علوم المجتهد الخمسة (الكتاب والسنة، والإجماع والخلاف، واللغة العربية، وأصول الفقه) ، ولم يرد تحديد القدر المطلوب معرفته للمجتهد من هذه العلوم في الأقوال السابقة، وإنما ورد
(1) (الإحكام) لابن حزم ج 5 ص 124 - 126
(2) (أدب المفتي) ص 86 - 87