والخلاف بل كل مسئلة يفتي فيها فينبغي أن يعلم أن فتواه ليس مخالفًا للإجماع، إما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض فهذا القدر فيه كفاية [[1] .
وزاد النووي قال]ثم لايُشترط أن يكون جميع الأحكام على ذهنه، بل يكفيه كونه حافظا المُعْظَم، متمكنًا من إدراك الباقي عن قرب [[2] .
وبعد، فقد كانت تلك أقوال العلماء في صفة علوم المجتهد، ضمن الكلام عن شرط العلم الشرعي من شروط المفتي، ولاخلاف في أن من كانت هذه صفته جاز له أن يفتي وهو المفتي المجتهد، والاجتهاد أنواع سيأتي ذكرها في مراتب المفتين، وإنما اختلف العلماء فيمن لم يستوف هذه الصفة هل له أن يفتي؟ فيه تفصيل يأتي في الكلام عن مراتب المفتين إن شاء الله.
الشرط التاسع: علم الواقع (معرفة الناس وأعرافهم) .
ذكرنا في أول هذا القسم مانقله ابن القيم عن أحمد بن حنبل أنه ينبغي أن تكون من صفات المفتي معرفة الناس [3] .
وفصَّل ابن القيم الكلام في هذا الشرط فقال] وأما قوله «الخامسة معرفة الناس» فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان مايُفْسِد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تَصَوَّر له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمُحق بصورة المُبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتَصَوَّر له الزنديق في صورة الصِّديق، والكاذب في صورة الصادق، ولَبِس كل مُبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجِهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعُرفياتهم لايميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق [[4] .
هذا من ناحية معرفة الناس، أما معرفة العرف، فقد سبق القول في أحكام الإفتاء إنه لايجوز للمفتي أن يفتي في مسائل معينة مالم يكن عالما بالمراد بها في عرف الناس. ومن هذا قول ابن الصلاح رحمه الله]لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير، ونحو ذلك مما يتعلق بالألفاظ إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ بها، أو متنزلًا منزلتهم في الخبرة بمراداتهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها، لأنه إذا لم يكن كذلك كثُر خطؤه عليهم في ذلك كما شهدت به التجربة والله أعلم [[5] .
وبعد: فكانت تلك جملة شروط المفتي، وبقيت مسائل متعلقة بذلك ذكرها ابن القيم عن أحمد بن حنبل في وصفه للمفتي، قال أحمد رضي الله عنه]لاينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية،
(1) (المستصفى) ج 2 ص 351
(2) (المجموع) ج 1 ص 42، نقله عن ابن الصلاح ص 89
(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 199
(4) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 204 - 205، وله كلام قريب من هذا في (اعلام الموقعين) ج 4 ص 229 - 230، و ج 1 ص 87 - 88
(5) (أدب المفتي) ص 115. وسبق أيضا في أحكام الإفتاء كلام ابن القيم في وجوب معرفة المفتي بالعرف من كتابه (اعلام الموقعين) ج 3 ص 89، وج 4 ص 228 - 229، فراجعه هناك