فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 1285

فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويا على ماهو فيه وعلى معرفته. والرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس [1] [.

وقد تكلمنا في شروط المفتي السابقة عن الصفة الثالثة (أن يكون قويا على ماهو فيه) والمراد به العلم بالشريعة، والصفة الخامسة (معرفة الناس) .

ونتكلم هنا عن بقية الصفات التي ذكرها أحمد وهي النية والحلم والكفاية.

المسألة الأولى: أن تكون للمفتي نية صالحة.

قال ابن القيم رحمه الله] فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبني، فإنها روح العمل وقائدهُ وسائقه، والعمل تابع لها يُبني عليها، يصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يُستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فكم بين مُريد بالفتوى وجه الله ورضاه والقرب منه وماعنده، ومريد بها وجهَ المخلوق ورَجاء منفعته ومايناله منه تخويفا أو طمعا ً، فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب. هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع، وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع وهو المشار إليه وَجَاهُهُ هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما، فالله المستعان.

وقد جرت عادة الله التي لاتبدل وسنته التي لاتُحول أن يُلْبسَ المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ماهو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويُلبِس المرائي اللابسَ ثوبي الزور من المَقْت والمَهَانة والبغضة ماهو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء [[2] .

وقد سبق الكلام في النية بالتفصيل في أول الفصل الأول من الباب الرابع.

المسألة الثانية: أن يكون المفتي حليمًا وقورًا.

قال ابن القيم رحمه الله]وأما قوله: «أن يكون له حلم ووقار وسكينة» فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحْوَجَ منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العارى من اللباس، وقال بعض السلف: ماقُرِن شئ إلى شئ أحسن من علم إلى حلم. والناس ههنا أربعة أقسام، فخيارهم من أوتي الحلم والعلم، وشرارهم من عدِمَهُما، والثالث من أوتى علمًا بلا حلم، والرابع: عكسه فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله. وضد الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات، فالحليم لايستفزه البَدَوَات، ولايستخفه الذين لايعلمون، ولايُقلقه أهل الطيش والخفة والجهل. بل هو وقور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه ولاتملكه أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعى الغضب والشهوة، فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصبر عليه وعند الشر فيصبر عنه، فالعلم يُعَرِّفه رُشْدَه والحلم يُثَبِّته عليه [[3] .

المسألة الثالثة: أن تكون للمفتى كفاية

أى مال يغنيه، إما بكونه غنيا أو بأخذه من بيت المال، ولايجوز بحال أن يأخذ من أعيان من يفتيهم. وقد سبق الكلام في أرزاق الفقهاء في الباب الثالث عند الكلام في واجب الإمام في تعليم الرعية، وفي الباب الرابع عند الكلام في آداب العالم في تدريسه.

(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 199

(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 199 - 200

(3) (إعلام الموقعين) ج 4 ص 200

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت