قال ابن القيم] وأما قوله «الكفاية والإ مضغه الناس» فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلي الناس وإلى الأخذ مما في أيديهم، فلا يأكل منهم شيئا إلا أكلوا من لحمه وعِرضه أضعافه [[1] .
قال ابن الصلاح]الأولى بالمتصدى للفتوى أن يتبرع بذلك [[2] ، وذلك اقتداء بصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، قال تعالى (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) الشورى: 23. وإنما يتمكن من هذا إذا كان غنيا وإلا أخذ رزقا من بيت المال.
وعلى هذا فإن الأموال الواصلة إلى المفتى إما أن تكون أجرًا أو هدية أو رزقا ولكل منها حكم.
قال ابن القيم] فأما أخذه الأجرة فلا يجوز له، لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال له، لا أعلمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لاأجيبك عنه إلا بأجرة، فهذا حرام قطعًا، ويلزمه رد العوض، ولايملكه.
وقال بعض المتأخرين: إن أجاب بالخط فله أن يقول للسائل: لايلزمنى أن أكتب لك خطى إلا بأجرة، وله أخذ الأجرة، وجعله بمنزلة أجرة الناسخ، فإنه يأخذ الأجرة على خطه، لا على جوابه، وخطه قدر زائد على جوابه. والصحيح خلاف ذلك، وأنه يلزمه الجواب مجانًا لله بلفظه وخطه، ولكن لايلزمه الورق ولا الحبر.
وأما الهدية ففيها تفصيل، فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو من لايعرف أنه مفت فلا بأس بقبولها، والأَوْلَى أن يكافئ عليها، وإن كانت بسبب الفتوى، فإن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لايُفْتى به غيره ممن لايهدى له لم يجز له قبول هديته، وإن كان لافرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا بل يفتيه بما يفتى به الناس، كُره له قبول الهدية، لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.
وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجًا إليه جاز له ذلك، وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان، وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم، فمن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام، فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ، وحكم القاضى في ذلك حكم المفتى، بل القاضى أولى بالمنع والله أعلم [[3] .
أما جهة أخذ المفتي من بيت المال فلقيامه بمصلحة عامة وذكرنا دليله من قبل، وقد جمع ابن القيم أقوال من سبقه في المسألة، إذ قد ذكرها الخطيب [4] ، وابن الصلاح [5] ، والنووى [6] ، وابن حمدان [7] . إلا أن هناك قولا في أخذ الرزق من أهل البلدة إذا تعذر من بيت المال لم يذكره ابن القيم وذكره غيره كابن الصلاح قال]وذكر أبو القاسم الصيمرى: أنه لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقا من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم جاز ذلك [[8] . وقال الخطيب البغدادى]فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يفرض الإمام للمفتى شيئا واجتمع أهله على أن يجعلوا له من أموالهم رزقا ليتفرغ لفتاويهم وكتابات نوازلهم ساغ ذلك [[9] .
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 204
(2) (أدب المفتى) ص 114
(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 231 - 232
(4) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 164
(5) (أدب المفتى) ص 114 - 115
(6) (المجموع) ج 1 ص 46
(7) (صفة الفتوى) ص 35
(8) (أدب المفتى) ص 115
(9) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 164