ثم روى ابن عبدالبر بإسناده عن ابن وهب قال [سُئِل مالك عن طلب العلم أهو فريضة على الناس، قال: لا، ولكن يطلب من المرء ما ينتفع به في دينه] .
وروى ابن عبدالبر عن الحسن بن الربيع قال سألت ابن المبارك قلت: قول النبي صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم» . قال [ليس هو الذي يطلبونه، ولكن فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه] .
وروى ابن عبدالبر بإسناده عن سفيان بن عيينة قال [طلب العلم والجهاد فريضة على جماعتهم ويجزيء فيه بعضهم عن بعض، وتلا هذه الآية (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) التوبة: 122] .
وبعد ذكرِه لأقوال الأئمة رحمهم الله، قال ابن عبدالبر:
[أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع] .
«العلم الذي هو فرض عين»
قال ابن عبدالبر [والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه نحو الشهادة باللسان والإقرار بالقلب بأن الله وحده لاشريك له، لا شبه له ولا مثل، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، خالق كل شيء وإليه مرجع كل شيء، المحيي المميت الحي الذي لايموت، والذي عليه جماعة أهل السنة أنه لم يزل بصفاته وأسمائه ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء وهو على العرش استوى. والشهادة بأن محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه حق، وأن البعث بعد الموت للمجازاة بالأعمال، والخلود في الآخرة لأهل السعادة بالإيمان والطاعة في الجنة، ولأهل الشقاوة بالكفر والجحود في السعير حق، وأن القرآن كلام الله وما فيه حق من عند الله يجب الإيمان بجميعه واستعمال محكمه، وأن الصلوات الخمس فرض ويلزمه من عِلْمها علم مالا تتم إلا به من طهارتها وسائر أحكامها، وأن صوم رمضان فرض ويلزمه عِلْم ما يفسد صومه ومالا يتم إلا به، وإن كان ذا مال وقدرة على الحج لزمه فرضا أن يعرف ما تجب فيه الزكاة ومتى تجب وفي كم تجب، ويلزمه أن يعلم بأن الحج عليه فرض مرة واحدة في دهره إن استطاع إليه سبيلا، إلى أشياء يلزمه معرفة جملها ولا يعذر بجهلها نحو تحريم الزنا، والربا، وتحريم الخمر، والخنزير، وأكل الميتة، والأنجاس كلها، والغصب، والرشوة على الحكم، والشهادة بالزور، وأكل أموال الناس بالباطل وبغير طيب من أنفسهم إلا إذا كان شيئًا لا يتشاح فيه ولا يرغب في مثله، وتحريم الظلم كله، وتحريم نكاح الأمهات والأخوات ومن ذكر معهن، وتحريم قتل النفس المؤمنة بغير حق، وما كان مثل هذا كله مما قد نطق الكتاب به وأجمعت الأمة عليه] .
«العلم الذي هو فرض كفاية»
قال ابن عبدالبر [ثم سائر العلم وطلبه والتفقه فيه وتعليم الناس إياه وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم فهو فرض على الكفاية يلزم الجميع فرضه فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين لا خلاف بين العلماء في ذلك وحجتهم فيه قول الله عز وجل (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) التوبة: 122، فألزم النفير في ذلك البعض دون الكل ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم والطائفة في لسان العرب الواحد فما فوقه] .
«أمثلة لفروض الكفاية»