قال ابن عبدالبر [وكذا الجهاد فرض على الكفاية لقول الله عز وجل (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ) إلى قوله (وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) النساء: 95، ففضل المجاهد ولم يذم المتخلف والآيات في فرض الجهاد كثيرة جدًا وترتيبها مع الآية التي ذكرنا على حسب ما وصفنا عند جماعة أهل العلم فإن أظل العدو بلدة لزم الفرض حينئذ جميع أهلها وكل من قرب منها إن علم ضعفها عنه وأمكن نصرتها لزمه فرض ذلك أيضا. قال أبو عمر وردّ السلام عند أصحابنا من هذا الباب فرض على الكفاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن ردّ واحد من القوم أجزأ عنهم: وخالفهم العراقيون فجعلوه فرضا متعينا على كل واحد من الجماعة إذا سلم عليهم وقد ذكرنا وجه القولين والحجة لمذهب الحجازيين في كتابنا كتاب التمهيد لآثار الموطأ والآية المثبتة لرد السلام بإجماع هي قوله عز وجل (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) النساء: 86، ومن هذا الباب أيضا تكفين الموتى وغسلهم والصلاة عليهم ومواراتهم والقيام بالشهادة عند الحكام فإن كان الشاهدان عدلين ولا شاهد له غيرهما تعين إذًا عليهما وصار من القسم الأول] [1] .
5 -قول أبي حامد الغزّالي رحمه الله (ت 505 هـ) - في «إحياء علوم الدين» -
الباب الثاني من كتاب العلم في الإحياء (في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما) .
قال أبو حامد رحمه الله [وفيه بيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، وبيان أن موقع الكلام والفقه من علم الدين إلى أي حدٍ هو وتفضيل علم الآخرة.
بيان العلم الذي هو فرض عين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم «اطلبوا العلم ولو بالصين» واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على كل مسلم - إلى أن قال - والذي ينبغي أن يقطع به المحصِّل ولا يستريب فيه ما سنذكره: وهو أن العلم كما قدّمناه في خطبة الكتاب ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إلا علم المعاملة، والمعاملة التي كُلِّف العبد العاقل البالغ العمل بها ثلاثة: اعتقاد وفعل وترك.
«الاعتقاد» : فإذا بلغ الرجل العاقل بالاحتلام أو السن ضحوة نهار مثلًا فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وهو قول «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» وليس يجب عليه أن يحصل كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة، بل يكفيه أن يصدّق به ويعتقده جزمًا من غير اختلاج ريب واضطراب نفس، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث ولا برهان، إذ اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل. فإذا فعل ذلك فقد أدى واجب الوقت وكان العلم الذي هو فرض عين عليه في الوقت تعلم الكلمتين وفهمهما، وليس يلزمه أمر وراء هذا في الوقت، بدليل أنه لو مات عقيب ذلك مات مطيعًا لله عز وجل غير عاص له، وإنما يجب غير ذلك بعوارض تعرض وليس ذلك ضروريًا في حق كل شخص بل يتصوّر الانفكاك، وتلك العوارض إما أن تكون في الفعل وإما في الترك وإما في الاعتقاد.
(1) (جامع بيان العلم) لابن عبدالبر، 1/ 9 - 12. وقد وضعت خلال كلامه ثلاثة عناوين فرعية وهي «العلم الذي هو فرض عين» و «العلم الذي هو فرض كفاية» و «أمثلة لفروض الكفاية»