أما الفعل: فبأن يعيش من ضحوة نهاره إلى وقت الظهر فيتجدد عليه بدخول وقت الظهر تعلم الطهارة والصلاة، فإن كان صحيحا وكان بحيث لو صبر إلى وقت زوال الشمس لم يتمكن من تمام التعلم والعمل في الوقت بل يخرج الوقت لو اشتغل بالتعليم، فلا يبعد أن يقال: الظاهر بقاؤه فيجب عليه تقديم التعلم على الوقت. ويحتمل أن يقال: وجوب العلم الذي هو شرط العمل بعد وجوب العمل فلا يجب قبل الزوال، وهكذا في بقية الصلوات. فإن عاش إلى رمضان تجدّد بسببه وجوب تعلم الصوم: وهو أن وقته من الصبح إلى غروب الشمس، وأن الواجب فيه النية والإمساك عن الأكل والشرب والوقاع، وأن ذلك يتمادى إلى رؤية الهلال أو شاهدين، فإن تجدّد له مال أو كان له مال عند بلوغه لزمه تعلم ما يجب عليه من الزكاة، ولكن لا يلزمه في الحال إنما يلزمه عند تمام الحول من وقت الإسلام، فإن لم يملك إلا الإبل لم يلزمه إلا تعلم زكاة الإبل، وكذلك في سائر الأصناف، فإذا دخل في أشهر الحج فلا يلزمه المبادرة إلى علم الحج مع أن فعله على التراخي فلا يكون تعلمه على الفور، ولكن ينبغي لعلماء الإسلام أن ينبهوه على أن الحج فرض على التراخي على كل من ملك الزاد والراحلة إذا كان هو مالكًا حتى ربما يرى الحزم لنفسه في المبادرة، فعند ذلك إذا عزم عليه لزمه تعلم كيفية الحج ولم يلزمه إلا تعلم أركانه وواجباته دون نوافله، فإن فِعْل ذلك نفل فعِلْمُه أيضا نفل فلا يكون تعلمه فرض عين، وفي تحريم السكوت على التنبيه على وجوب أصل الحج في الحال نظر يليق بالفقه، وهكذا التدرج في علم سائر الأفعال التي هي فرض عين.
وأما التروك: فيجب تعلم ذلك بحسب ما يتجدد من الحال، وذلك يختلف بحال الشخص إذ لا يجب على الأبكم تعلم مايحرم من الكلام، ولا على الأعمى تعلم ما يحرم من النظر، ولا على البدوي تعلم ما يحرم الجلوس فيه من المساكن، فلذلك أيضًا واجب بحسب ما يقتضيه الحال، فما يعلم أنه ينفك عنه لا يجب تعلمه وما هو ملابس له يجب تنبيهه عليه كما لو كان عند الإسلام لابسًا للحرير، أو جالسًا في الغصب، أو ناظرًا إلى غير ذي محرم، فيجب تعريفه بذلك وما ليس ملابسًا له ولكنه بصدد التعرض له على القرب كالأكل والشرب فيجب تعليمه، حتى إذا كان في بلد يتعاطى فيه شرب الخمر وأكل لحم الخنزير فيجب تعليمه ذلك وتنبيهه عليه، وما وجب تعليمه وجب عليه تعلمه.
وأما الاعتقادات وأعمال القلوب: فيجب علمها بحسب الخواطر، فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة فيجب عليه تعلم ما يتوصل به إلى إزالة الشك. فإن لم يخطر له ذلك ومات قبل أن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم وأنه مرئي وأنه ليس محلًا للحوادث إلى غير ذلك مما يذكر في المعتقدات، فقد مات على الإسلام إجماعًا، ولكن هذه الخواطر الموجبة للاعتقادات بعضها يخطر بالطبع وبعضها يخطر بالسماع من أهل البلد، فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغي أن يصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق، فإنه لو ألقي إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجرًا وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا، وهذا هو الحق في العلم الذي هو فرض عين ومعناه العلم بكيفية العمل الواجب، فمن علم العلم الواجب ووقت وجوبه فقد علم العلم الذي هو فرض عين - إلى أن قال - ومما ينبغي أن يبادر في إلقائه إليه إذا لم يكن قد انتقل عن ملة إلى ملة أخرى: الإيمان بالجنة والنار والحشر والنشر حتى يؤمن به ويصدق، وهو من تتمة كلمتي الشهادة، فإنه بعد التصديق بكونه عليه السلام رسولًا ينبغي أن يفهم الرسالة التي هو مبلغها: وهو أن من أطاع الله ورسوله فله الجنة، ومن عصاهما فله النار.
النوازل: فإذا انتبهت لهذا التدريج علمت أن المذهب الحق هو هذا، وتحققت أن كل عبد هو في مجاري أحواله في يومه وليلته لا يخلو من وقائع في عبادته ومعاملاته عن تجدد لوازم عليه فيلزمه السؤال عن كل ما يقع له من النوادر ويلزمه المبادرة إلى تعلم ما يتوقع وقوعه على القرب غالبًا. - إلى أن قال - بيان العلم الذي هو فرض كفاية
قال أبو حامد الغزالي: وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حَرج أهل البلد. وإذا قام بها واحد وكفى، سقط الفرض عن الآخرين. - إلى أن قال -
وهي أربعة أضرب: