الضرب الأول: الأصول: وهي أربعة كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله عليه السلام، وإجماع الأمة وآثار الصحابة، والإجماع أصل من حيث إنه يدل على السنة فهو أصل في الدرجة الثالثة. وكذا الأثر فإنه أيضا يدل على السنة. لأن الصحابة رضي الله عنهم قد شاهدوا الوحي والتنزيل وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه - إلى أن قال -
الضرب الثاني: الفروع: وهو ما فهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها بل بمعان تنبه لها العقول فاتسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره كما فهم من قوله عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» أنه لا يقضي إذا كان خائفا أو جائعا أو متألما بمرض. وهذا على ضربين:
أحدهما: يتعلق بمصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه والمتكفل به الفقهاء وهم علماء الدنيا.
الثاني: ما يتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة وما هو مرضي عند الله تعالى، وما هو مكروه وهو الذي يحويه الشطر الأخير من هذا الكتاب، أعني جملة كتاب إحياء علوم الدين، ومنه العلم بما يترشح من القلب على الجوارح في عباداتها وعاداتها، وهو الذي يحويه الشطر الأول من هذا الكتاب.
والضرب الثالث: المقدمات، وهي التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو، فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية في أنفسهما، ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة فيصير تعلم تلك اللغة آلة. - إلى أن قال -
الضرب الرابع: المتممات: وذلك في علم القرآن، فإنه ينقسم إلى ما يتعلق باللفظ كتعلم القراءات ومخارج الحروف وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير، فإن اعتماده أيضا على النقل، إذ اللغة بمجردها لا تستقل به وإلى ما يتعلق بأحكامه كمعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنص والظاهر. وكيفية استعمال البعض منه مع البعض، وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه ويتناول السنة أيضا. وأما المتممات في الآثار والأخبار فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأسماء الصحابة وصفاتهم، والعلم بالعدالة في الرواة، والعلم بأحوالهم ليميز الضعيف عن القوي، والعلم بأعمارهم ليميز المرسل عن المسند وكذلك مايتعلق به، فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها مِن فروض الكفايات] [1] .
6 -قول القرطبي رحمه الله (ت 671 هـ) : قال[طلب العلم ينقسم قسمين:
فرض على الأعيان: كالصلاة والزكاة والصيام.
وفي هذا المعنى جاء الحديث المروي «إن طلب العلم فريضة» . روى عبد القدوس بن حبيب أبو سعيد الوحاظي عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» . قال إبراهيم: لم أسمع من أنس بن مالك إلا هذا الحديث.
وفرض على الكفاية، كتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه، إذ لايصلح أن يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم وتنقص أو تبطل معايشهم، فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين، وذلك بحسب مايسره الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته.] [2] .
7 -قول النووي رحمه الله (ت 676 هـ) - في مقدمته الأصولية لكتابه «المجموع» -
قسّم النووي العلم إلى ثلاثة أقسام: فرض عين وفرض كفاية ونفل، فقال رحمه الله:
(1) (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي، ج 1 ص 25 - 28. ط دار الكتب العلمية 1406 هـ. وقد أدرجنا خلال كلامه عنوانين في أوائل بعض الفقرات وهما «الاعتقاد» و «النوازل» . وماذكره من حديث (اطلبوا العلم ولو بالصين) رواه البيهقي والخطيب وابن عبدالبر وغيرهم عن أنس بسند ضعيف، وذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) والله تعالى أعلم
(2) (تفسير القرطبي) ج 8 ص 295