فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 1285

[الأول فرض العين: وهو تعلم المكلَّف مالا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به. ككيفية الوضوء والصلاة ونحوهما وعليه حمل جماعات الحديث المروي في مسند أبي يعلى الموصلي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم» . وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتًا فمعناه صحيح: وحمله آخرون على فرض الكفاية: وأما أصل واجب الإسلام وما يتعلق بالعقائد فيكفي فيه التصديق بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقاده اعتقادًا جازما سليما من كل شك ولايتعين على من حصل له هذا تعلم أدلة المتكلمين، هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء والمحققون من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب أحدًا بشيء سوى ما ذكرناه، وكذلك الخلفاء الراشدين ومن سواهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول -إلى أن قال -

(فرع) لايلزم الإنسان تعلم كيفية الوضوء والصلاة وشبههما إلا بعد وجوب ذلك الشيء فإن كان بحيث لو صبر إلى دخول الوقت لم يتمكن من تمام تعلمها مع الفعل في الوقت فهل يلزمه التعلم قبل الوقت؟ تردد فيه الغزّالي والصحيح ماجزم به غيره أنه يلزمه تقديم التعلم كما يلزم السعي إلى الجمعة لمن بعد منزله قبل الوقت ثم إذا كان الواجب على الفور كان تعليم الكيفية على الفور وإن كان على التراخي كالحج فعلى التراخي: ثم الذي يجب من ذلك كله ما يتوقف أداء الواجب عليه غالبًا دون مايطرأ نادرًا فإن وقع وجب التعلم حينئذ: وفي تعلم أدلة القبلة أوجه أحدها فرض عين والثاني كفاية وأصحهما فرض كفاية إلا أن يريد سفرًا فيتعين لعموم حاجة المسافر إلى ذلك.

(فرع) أما البيع والنكاح وشبههما مما لايجب أصله فقال إمام الحرمين والغزالي وغيرهما يتعين على من أراده تعلم كيفيته وشرطه. وقيل لا يقال يتعين بل يقال يحرم الإقدام عليه إلا بعد معرفة شرطه وهذه العبارة أصح، وعبارتهما محمولة عليها، وكذا يقال في صلاة النافلة يحرم التلبس بها على من لم يعرف كيفيتها ولا يقال يجب تعلم كيفيتها.

(فرع) يلزمه معرفة مايحل ومايحرم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها مما لاغنى له عنه غالبا، وكذلك أحكام عشرة النساء. إن كان له زوجة، وحقوق المماليك إن كان له مملوك ونحو ذلك. - إلى أن قال -

(فرع) أما علم القلب وهو معرفة أمراض القلب كالحسد والعجب وشبههما فقال الغزالي: معرفة حدودها وأسبابها وطبها وعلاجها فرض عين، وقال غيره: إن رُزِق المكلَّف قلبا سليما من هذه الأمراض المحرمة كفاه ذلك ولايلزمه تعلم دوائها، وإن لم يسلم نظر إن تمكن من تطهير قلبه من ذلك بلا تعلم لزمه التطهير كما يلزمه ترك الزنا ونحوه من غير تعلم أدلة الترك، وإن لم يتمكن من الترك إلا بتعلم العلم المذكور لزمه ذلك حينئذ والله أعلم.

(القسم الثاني) فرض الكفاية

وهو تحصيل مالابد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومها والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف: ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف: - إلى أن قال -

وفرض الكفاية المراد به تحصيل ذلك الشيء من المكلفين أو بعضهم ويعم وجوبه جميع المخاطبين به فإذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين وإذا قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم فكلهم سواء في حكم القيام بالفرض في الثواب وغيره فإذا صلى على جنازة جمع ثم جمع ثم جمع فالكل يقع فرض كفاية، ولو أطبقوا كلهم على تركه أثم كل مَن لا عذر له ممن علم ذلك وأمكنه القيام به أو لم يعلم وهو قريب أمكنه العلم بحيث ينسب إلى تقصير ولايأثم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو لعذره - إلى أن قال -

واعلم أن للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين لأنه أسقط الحرج عن الأمة وقد قدمنا كلام إمام الحرمين في هذا في فضل ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة القاصرة.

(القسم الثالث) النفل: وهو كالتبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية.] [1] .

(1) (المجموع) للنووي، ج 1 ص24 - 27 - - وقول النووي (إن للقائم بفرض الكفاية مزّية على القائم بفرض العين) ، هو اختيار إمام الحرمين الجويني ووالده رحمهم الله، وخالفهم في ذلك آخرون، فانظر قول ابن السبكي في المسألة في (جمع الجوامع) ج 1 ص 183. وقول القرافي أيضا في كتابه (الفروق) ج 2 ص 203

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت