8 -قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ت 728 هـ) - من مجموع الفتاوى -
قال رحمه الله [وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين: مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به ومانهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» . وكل من أراد الله به خيرًا لابد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرًا، والدين: مابعث الله به رسوله: وهو مايجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقًا عاما وطاعة عامة، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا، وإذا كان مأمورًا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة.] [1] .
وقال ابن تيمية رحمه الله[لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، ولاريب أن معرفة ماجاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ مابعث الله به رسوله، وداخل في تدبُّر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب، والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك - مما أوجبه الله على المؤمنين - فهو واجب على الكفاية منهم.
وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، ومعرفتهم، وحاجتهم وماأمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم، أو عن فهم دقيقه مايجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل مالا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي، والمحدث، والمجادل مالا يجب على من ليس كذلك.] [2] .
وقال أيضا رحمه الله[وأما قوله: ما الذي يجب عليه علمه؟ فهذا أيضا يتنوع فإنه يجب على كل مكلف أن يعلم ماأمر الله به، فيعلم ماأمر بالإيمان به؟ وماأمر بعلمه، بحيث لو كان له ماتجب فيه الزكاة لوجب عليه تعلم علم الزكاة، ولو كان له مايحج به لوجب عليه تعلم علم الحج، وكذلك أمثال ذلك!.
ويجب على عموم الأمة علم جميع ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث لايضيع من العلم الذي بلغه النبي صلى الله عليه وسلم أمته شيء، وهو مادل عليه الكتاب والسنة، لكن القدر الزائد على مايحتاج إليه المعين فرض على الكفاية، إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين.
وأما «العلم المرغب فيه جملة» فهو العلم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته لكن يرغب كل شخص في العلم الذي هو إليه أحوج، وهو له أنفع، وهذا يتنوع، فرغبة عموم الناس في معرفة الواجبات والمستحبات من الأعمال والوعد والوعيد أنفع لهم. وكل شخص منهم يرغب في كل مايحتاج إليه من ذلك، ومن وقعت في قلبه شبهة فقد تكون رغبته في عمل ينافيها أنفع من غير ذلك] [3] .
وسُئل ابن تيمية: أيما طلب القرآن أو العلم أفضل؟.
فأجاب رحمه الله[أما العلم الذي يجب على الإنسان عينًا كعلم ماأمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ مالا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب.
وأما طلب حفظ القرآن: فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا: وهو إما باطل، أو قليل النفع، وهو أيضا مقدم في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف مايفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشئ من فضول العلم، من الكلام، أو الجدال، والخلاف، أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لايحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت، ولاينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لاتقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله، فلابد في مثل هذه المسألة من التفصيل.
والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم، والدين، والله سبحانه أعلم] [4] .
(1) (مجموع الفتاوى، 28/ 80)
(2) (مجموع الفتاوى، 3/ 312) .
(3) مجموع الفتاوى، 3/ 328 - 329
(4) مجموع الفتاوى، 23/ 54 - 55