أحدهما: أن الصحابة مؤتمنون على ما ينقلونه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيؤخذ عنهم كل ما يرونه. وهذا قول المزني، فقد قال رحمه الله في هذا الحديث «أصحابي كالنجوم» (إن صحَّ هذا الخبر فمعناه فيما نقلوه عنه وشهدوا به عليه فكلهم ثقة مؤتمن على ماجاء به، لايجوز عندي غير هذا، وأما ماقالوا فيه برأيهم فلو كان عند أنفسهم كذلك ماخَطَّأ بعضهم بعضًا ولا أنكر بعضهم على بعض، ولارجع منهم أحد إلى قول صاحبه، فتدبّر) .
الوجه الثاني: أن الصحابة كالنجوم في جواز اقتداء العامي الجاهل بقول أحدهم إذا لم يتبين له الصواب في غيره، كما يقلد العامي العالم. وقد ذكر هذا الوجه ابن عبدالبر فقال [لأن الاقتداء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منفردين إنما هو لمن جهل مايسئل عنه ومن كانت هذه حاله فالتقليد لازم له، ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض إذا تأولوا تأويلا سائغا جائزا ممكنا في الأصول، وإنما كل واحد منهم نجم جائز أن يقتدي به العامي الجاهل بمعنى ما يحتاج إليه من دينه وكذلك سائر العلماء مع العامة والله أعلم [[1] .
وقول ابن عبد البر بجواز تقليد العامي لقول الصحابي أو لمذهب الصحابي مسألة خلافية سنذكرها في أحكام المستفتي إن شاء الله، إذ قد منع من ذلك بعض العلماء كإمام الحرمين وغيره فمنعوا تقليد العامة لمذاهب الصحابة وللمذاهب غير المتبوعة كمذهب الثوري والأوزاعي بحجة أن هذه المذاهب غير محررة ولم تخدم كما خدمت المذاهب المتبوعة، وفي تقليد المذاهب المتبوعة خلاف أيضا سيأتي ذكره.
وفي هذه المسألة نفسها (وهي أن اختلاف الصحابة واختلاف العلماء بعدهم ليس توسعة، وليس حجة للتخيّر من أقوالهم، بل يجب الترجيح بينها) قال ابن حزم رحمه الله:]ففي بعض ماذكرنا كفاية لأن الله تعالى نص على أن الاختلاف شقاق، وأنه بغي، ونهى عن التنازع والتفرق في الدين وأوعد على الاختلاف بالعذاب العظيم، وبذهاب الريح، وأخبر أن الاختلاف تفرق عن سبيل الله، ومن عاج عن سبيل الله تعالى فقد وقع في سبيل الشيطان قال تعالى (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة: 256 وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى أرادة كون، كما أراد الكفر وسائر المعاصى، فإن قال قائل: إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس أفيلحقهم هذا الذم؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق: كلا ما يلحق أولئك شئ من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله ووجهة الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجرًا واحدًا لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد الموصوف، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى الذي هو القرآن وكلام النبي بعد بلوغ النص إليه، وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف، داعيا إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصدا للفرقة، متحريا في دعواه يرد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم المختلفون المذمومون. وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ماوافق أهواءهم في قول كل قائل فهم يأخذون ماكان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ماأوجبه النص عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل، فإذ لابد من مواقعة الاختلاف فكيف التخلص من هذا الذم الوارد في المختلفين؟، قيل له وبالله تعالى التوفيق: قد علمنا الله تعالى الطريق في ذلك، ولم يدعنا في لَبْس وله الحمد فقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) الأنعام: 153 وقال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) آل عمران: 103 وقال تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى
(1) انتهى المنقول من (جامع بيان العلم) لابن عبدالبر، ج 2 ص 78 - 90 باختصار وبتصرف يسير في الجزء الأخير