فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 1285

اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) النساء: 59 فإذا وردت الأقوال فاتبع كلام الله تعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو بيان عما أمرنا الله تعالى به، وماأجمع عليه جميع المسلمين، فهذا هو صراط الله تعالى وحبله الذي إذا تمسكت به أخرجك من الفرقة المذمومة، ومن الاختلاف المكروه، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر كما قال تعالى. وهذا هو الذي أجمع عليه جميع أهل الإسلام قديما وحديثا، فإنه لم يكن قط مسلم إلا ومن عقده وقوله إن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فرض قبوله، وأنه لايحل لأحد معارضته بشئ من ذلك ولا مخالفته [[1] .

والخلاصة: أن اختلاف الصحابة واختلاف العلماء من بعدهم ليس بحجة لاختيار أي قول ٍ من أقوالهم، بل الترجيح بين أقوالهم واجب لمعرفة الراجح منها للعمل به والفتوى والحكم به.

وفي بيان أن اختلاف العلماء ليس حجة للتخير من أقوالهم، وليس حجة في ترك الإنكار على من أخذ بأي قول ٍ دون نظر في الترجيح، يقول ابن القيم رحمه الله]وقولهم «إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها» ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يُخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب إنكاره اتفاقا، - إلى قوله - وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرّحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة وإن كان وافق فيه بعض العلماء؟ [[2] .

وقال الشاطبي رحمه الله]قال الباجي: وكثيرًا ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها «لعل فيها رواية؟» أو «لعل فيها رخصة» ، وهم يَرَوْنَ أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي. وهذا مما لاخلاف بين المسلمين ممن يُعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولايسوغ ولا يحلّ لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه). ثم قال الشاطبي (فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لِمَ تمنع والمسألة مختلف فيها؟، فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفًا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز) . ثم قال الشاطبي (قال الخطابي: وليس الاختلاف حجة، وبيان السُّنَّة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين. هذا مختصر ما قال. والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له يدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلا لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه [[3] .

وبعد:

فقد أطنبتُ في بيان هذه المسألة، ألا وهي وجوب الترجيح بين الأدلة والأقوال المتعارضة، ووجوب الفتوى بالراجح منها والعمل به، وحرمة التخيّر من الأدلة والأقوال دون نظر في الترجيح كما نقل ابن تيمية إجماع العلماء على تحريم ذلك. وما أطنبت في بيان هذه المسألة إلا لأهميتها في تمييز الحق من الباطل، وتمييز الصواب من الخطأ. فما ضلَّت طائفة أو فرقة وما أخطأ عالم من العلماء إلا بإهمال هذا الأصل، وذلك بالاستدلال ببعض النصوص دون النظر فيما يعارضها أو فيما ينبغي أن يجمع معها. وقد يكون هذا عن عمد وهو شأن أهل الزيغ والضلال، وقد يكون عن خطأ وهو شأن أخطاء العلماء كما بيّنه ابن تيمية رحمه الله في رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) . ولا يكون الفقيه على الجادة حتى

(1) (الإحكام) لابن حزم ج 5 ص 67 - 68

(2) (اعلام الموقعين) ج 3 ص 300

(3) (الموافقات) ج 4 ص 140 - 141

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت