الحديث: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم عليه فحرم عليهم من أجل مسألته» وقال: «ذروني ماتركتكم، فإنما هلكَ منَ قَبْلَكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» . - إلى أن قال الشاطبي: وقد جاء عن عائشة أن امرأة سألتها عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة، فقالت لها: أحرورية أنت؟ انكارًا عليها السؤال عن مثل هذا. وقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغُرة فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم مالا شرب ولا أكل، ولا شهق ولا استهل، ومثل ذلك بطل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما هذا من إخوان الكهان» . وقال ربيعة لسعيد في مسألة عقل الأصابع حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم فقال: هي السنة يا ابن أخي. وهذا كاف في كراهية كثرة السؤال في الجملة.
ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع. نذكر منها عشرة مواضع
(أحدها) السؤال عما لا ينفع في الدين. كسؤال عبدالله بن حذافة: مَنْ أَبِي؟، وروي في التفسيرأنه عليه الصلاة والسلام سُئِل ما بال الهلال يبدوُ رقيقا كالخيط، ثم لايزال ينمو حتى يصير بدرا. ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ) البقرة: 189 فأنما أجيب بما فيه من منافع الدين.
(والثاني) أن يسأل بعد مابلغ من العلم حاجته، كما سأل الرجل عن الحج أكل عام؟ مع أن قوله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) آل عمران: 97 قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: (إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) البقرة: 67. (والثالث) السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا - والله أعلم - خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: «ذروني ما تركتكم» وقوله «وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها» .
(والرابع) أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها. كما جاء في النهي عن الأغلوطات.
(والخامس) أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات التي لايعقل لها معنى، أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.
(والسادس) أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق وعلى ذلك يدل قوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ص: 86 ولما سأل الرجل يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب ياصاحب الحوض لاتخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا، الحديث
(والسابع) أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة فإن قُبلت منه وإلا سكت.
(والثامن) السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) آل عمران: 7، وعن عمر بن عبدالعزيز: من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة.
(والتاسع) السؤال عما شجر بين السلف الصالح، وقد سئل عمر بن عبدالعزيز عن قتال أهل صفين فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي. فلا أحب أن يلطخ بها لساني.
(والعاشر) سؤال التعنُّت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو هذا (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) البقرة: 204، وقال: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الزخرف: 58، وفي الحديث «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» .