الحُجَّة: هي ما يحتج به المرء على صحة قوله ومذهبه، وتسمى أيضا بالبرهان والسلطان. والمقصود بها هنا الدليل الشرعي على صحة قول المفتي.
وقد وردت هذه الأسماء كلها في كتاب الله تعالى كأسماء لما يُحتج به:
فالحجة: وردت في قوله تعالى (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) الأنعام: 149، وقوله تعالى (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) الأنعام: 83 وقوله تعالى (فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) آل عمران: 66. وغيرها من الآيات.
والبرهان: ورد في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ) النساء: 174، وقوله تعالى (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) البقرة: 111.
والسلطان: ورد في قوله تعالى (أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) الروم: 35، وقوله تعالى (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ، فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الصافات: 156 - 157.
فالبرهان والسلطان في هذه الآيات كلها بمعنى الحجة.
والحجة في الشريعة هي الأدلة الشرعية، والمتفق عليه منها أربعة: الكتاب والسنة والإجماع المعتبر والقياس الصحيح. والأصل في الأدلة: الكتاب والسنة ثم إنهما قد دلاّ على حُجّية الإجماع والقياس. قال تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59. أي إلى الكتاب وإلى السنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإجماع. وإليك أقوال العلماء في بيان الحجج الشرعية:
أ - قال ابن عبد البر] قال الشافعي ليس لأحد أن يقول في شئ حلال ولا حرام إلا من جهة العلم، وجهة العلم مانص في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع أو القياس على هذه الأصول مافي معناها. قال أبو عمر: أما الإجماع فمأخوذ من قول الله (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) النساء: 115 لأن الاختلاف لا يصح معه هذا الظاهر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وعندي أن إجماع الصحابة لا يجوز خلافهم والله أعلم لأنه لا يجوز على جميعهم جهل التأويل، وفي قول الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) البقرة: 143 دليل على أن جماعتهم إذا اجتمعوا حجة على من خالفهم كما أن الرسول حجة على جميعهم ودلائل الإجماع من الكتاب والسنة كثير ليس كتابنا هذا موضعا لتقصيها وبالله التوفيق [[1] .
ب - وقال أبو عمر بن عبدالبر]وقال محمد بن الحسن: العلم على أربعة أوجه ماكان في كتاب الله الناطق وماأشبهه، وماكان في سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المأثورة وماأشبهها، وماكان فيما أجمع عليه الصحابة رحمهم الله وماأشبه، وكذلك مااختلفوا فيه لايخرج عن جميعه، فإن أوقع الاختيار فيه على قول فهو علم تقيس عليه ماأشبه، وماأستحسنه عامة فقهاء المسلمين وماأشبهه وكان نظيرًا له قال: ولا يخرج العلم عن هذه الوجوه الأربعة. قال أبو عمر: قول محمد بن الحسن وماأشبهه يعني ماأشبه الكتاب وكذلك قوله في السنة وإجماع الصحابة يعني ماأشبه ذلك كله فهو القياس المختلف فيه الأحكام وكذلك قول الشافعي أو كان في معنى الكتاب والسنة هو نحو قول محمد بن الحسن ومراده من ذلك القياس عليها وليس هذا موضع القول في القياس وسنفرد لذلك بابا كافيا في كتابنا هذا إن شاء الله. وانكار العلماء للاستحسان أكثر من انكارهم للقياس وليس هذا موضع بيان ذلك [[2] .
(1) (جامع بيان العلم) 2/ 26
(2) (المصدر السابق)