قد سبق تعريفه، وملخصه أنه اتباع القول الذي شهد الدليل بصحته، فيكون المتبع عاملا بعلم وعلى بصيرة بصحة مايعمل به ويكون متبعًا للدليل الشرعي.
قال تعالى (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء) الأعراف: 3.
وقال تعالى (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأنعام: 155.
وقال تعالى (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الأنعام: 106، وقال تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي) الأعراف: 203.
فالعمل بالوحي من الكتاب والسنة هو الاتباع كما دلت عليه هذه الآيات.
قال ابن عبدالبر] الاتباع: هو أن تتبع القائل على مابان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد: أن تقول بقوله وأنت لاتعرفه ولا وجه القول ولا معناه [[1] .
وقال ابن عبدالبر]قال أبو عبدالله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع: الرجوع إلى قول لاحجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع: ماثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مُقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح. وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه. والاتباع في الدين مسوّغ والتقليد ممنوع [[2] . فالاتباع هو العمل بالدليل الشرعي، ويكون المفتي مخبرًا بالدليل.
هذا، وقد اعترض البعض على هذا الحد، وقالوا إن التقليد المذموم سُمِّي اتباعا أيضا في كتاب الله، كما في قوله تعالى (وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء) الأعراف: 3، وقوله تعالى (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ) البقرة: 166. ولامشاحة في الاصطلاح طالما عُلم المعنى وعُرِف الفرق بين الاتباع والتقليد. قال ابن حزم]وقد استحى قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه، وهم يقرّون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الإسم، فقالوا: لانقلّد بل نتبع. قال ابن حزم: ولم يتخلصوا بهذا التمويه من قبيح فعلهم، لأن المحرَّم إنما هو المعنى فليسموه بأي اسم شاءوا [[3] .
ثالثا: القائلون بوجوب التقليد
نعود فنذكِّر هنا مرة أخرى بأن الاستفتاء غير التقليد. وأنه لاخلاف بين العلماء في وجوب الاستفتاء على الجاهل حيث يجب، أما التقليد ففيه خلاف، وأن المستفتي قد يكون مُقلدًا وقد يكون متبعًا، ولكن لما غلب التقليد على المستفتين فقد غلب اسم المقلِّد على المستفتي.
وسوف نذكر هنا أقوال من أوجبوا التقليد ثم نشير إلى أدلتهم مع الرد عليها.
1 -القائلون بوجوب التقليد
أي أنه يجب على العامي (الجاهل) قبول قول المفتي بغير حجة، وهؤلاء منهم من قال لايسأل عن الحجة، ومنهم من قال إن قول المفتي في حقه كالحجة والدليل الشرعي.
(1) (جامع بيان العلم) 2/ 37
(2) (جامع بيان العلم) 2/ 117
(3) (الإحكام) 6/ 60