فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 1285

أ - قال الخطيب البغدادي رحمه الله] وأما الجواب عن تقليد العامي، فهو أن فرضه تقليد مَن هو مِن أهل الاجتهاد، وقال أبو علي الطبري: فرضه اتباع عالمه بشرط أن يكون عالمه مصيبًا، كما يتبع عالمه بشرط أن لايكون مخالفا للنص. وقد قيل إن العامي يقلد أوثق المجتهدين في نفسه، ولايُكلف أكثر من ذلك لأنه لاسبيل له إلى معرفة الحق والوقوف على طريقه [[1] . ومانقله الخطيب عن أبي علي الطبري لايؤيد قوله بوجوب التقليد، بل حقيقة قول الطبري هو وجوب الاتباع، فإن العامي لايعلم أن عالمه مصيب غير مخالف للنص إلا إذا ذكر له الدليل، وهذا الاتباع.

ب - وقال الخطيب أيضا]ليس ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أجابه به، ولا يقول لم ولا كيف؟. قال الله سبحانه وتعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43 وفرق تبارك وتعالى بين العامة وبين أهل العلم فقال (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر: 9. فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة في ذلك سأل عنها في زمان آخر ومجلس ثان أو بعد قبول الفتوى من المفتي مجردة [[2] .

وزاد النووي وقال السمعاني: لايُمنع من طلب الدليل وأنه يلزم المفتي أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعا به ولايلزمه إن لم يكن مقطوعا به لافتقاره إلى اجتهاد يقصر فهم العامي عنه) قال النووي (والصواب الأول) .

ج - وقال الآمدي رحمه الله] العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وإن كان مُحصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، يلزمه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه، عند المحققين من الأصوليين [[3] .

د - وقال الشاطبي رحمه الله]فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء، إذ كانوا لايستفيدون منها شيئًا، فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولايجوز ذلك لهم ألبتة، وقد قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43 والمقلد غير عالم، فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق. فهم إذًا القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام الشارع.

وأيضا فإنه إذا كان فقد المفتي يسقط التكليف، فذلك مساو لعدم الدليل، إذ لاتكليف إلا بدليل، فإذا لم يوجد دليل على العمل سقط التكليف به، فكذلك إذا لم يوجد مفت في العمل فهو غير مكلف به. فثبت أن قول المجتهد دليل العامي. والله أعلم [[4] .

2 -أدلة القائلين بوجوب التقليد والرد عليها.

اعلم أن أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم قد ذموا التقليد ونهوا عنه، ثم توسع ابن حزم (456هـ) في نقض التقليد، وكذلك ابن عبدالبر (463 هـ) ، إلا أنه لايوجد أحد استوفى حجج المقلدين ورد عليها كما فعل ابن القيم رحمه الله (751هـ) في (اعلام الموقعين) ، وبدأ كلامه بقوله] فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلدٍ وبين صاحب حجة - وذكر ثمانين وجهًا في الرد على المقلدين ونقض التقليد، إلى أن قال - وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد وذكرنا من مآخذهما

(1) (الفقيه والمتفقه) 2/ 65

(2) (الفقيه والمتفقه) 2/ 180.

وقد تابعه على هذا - في أن لاينبغي للعامي مطالبة المفتي بالدليل - كلًا من النووي (المجموع، 1/ 57) وابن حمدان (صفة الفتوى، ص 84)

(3) (الإحكام) 4/ 234

(4) (الموافقات) 4/ 292 - 293

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت