إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] [1] . وأهل السنة يستثنون للعمل.
ولم يرد أهل السنة من ذلك أي قول أو أي عمل بل ماكان مشروعًا من الأقوال والأعمال، وهو فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات، والأدلة على صحة مذهب أهل السنة كثيرة، ليس هذا موضع بسطها، وقد استوفى البخاري رحمه الله في كتابه (الإيمان) من صحيحه كثيرًا من الأدلة على أن العمل من الإيمان وأنه يزيد وينقص، ومنها على سبيل المثال حديث شُعب الإيمان (الإيمان بضع وستون شعبة) فقد اشتمل على ذكر الشعب القولية والفعلية، ولما كان هذا الحديث نصًا في محل النزاع فقد شكك بعض مرجئة الفقهاء فيه رغم أنه حديث صحيح مشهور [2] .
(4) قول الطحاوي رحمه الله] ولانكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب مالم يستحله [هذا الكلام صحيح، وهو وإن لم يرد في الكتاب أوالسنة بنصه، إلا أن هذه العبارة تستمد قوتها وحجيتها من اتفاق أهل السنة عليها، وقد نقلها اللالكائي عن معظم الأئمة الذين نقل اعتقاداتهم، ولايوجد إشكال في هذه العبارة، ولكن الإشكال في سوء فهم كثير من المعاصرين لها سواء من العوام أو من المنتسبين إلى العلم الشرعي، فيستدلون بهذه العبارة على أنه لايكفر أحد وإن فعل المكفرات كلها إلا إذا استحل أو جحد، فتسألهم وكيف تعرف استحلاله أو جحده؟ فيقول لك أن يصرح بلسانه بأنه مستحل أو جاحد. والذين يقولون بهذا كَفَّرهم كثير من السلف كالحميدي وأحمد[3] وهذا الكلام الذي شاع هذه الأيام هو مذهب غلاة المرجئة، وسيأتي تفصيل هذا إن شاء الله.
أما معنى هذه العبارة - والذي لم يوضحه الشارح ابن أبي العز وأشكلت عليه - فالمقصود بالذنوب في هذه العبارة المعاصي التي لايكفر فاعلها كالزنا وشرب الخمر فهذه إذا استحلها - فعلها أو لم يفعلها كَفَر كأن يقول إن الزنا والشرب ليسا بحرام ونحو ذلك ومثله لايجهل تحريمهما. أما المعاصي المكفِّرة كسَبّ الله تعالى أو سب الرسول عليه الصلاة والسلام أو إهانة المصحف بقول أو فعل فهذه يكفر فاعلها بمجرد القول أو الفعل دون نظر في جحد أو استحلال. ولهذا قيد العلماء هذه العبارة بكلمة (أهل القبلة) فالمقصود بهم الذين لم يأتوا بمكفِّر يخرجهم عن أهل القبلة، فما دام لم يأت بمكفّر، فلا يكفر بالذنب غير المكفِّر إلا أن يستحله. والذنب المكفِّر هو الذي نصَّ الشارع على كفر فاعله كسبّ الله ورسوله ودعاء غير الله، والذنب غير المكفر هو ماورد الوعيد على فعله ولكن لم ينص الشارع على كفر فاعله كشرب الخمر والزنا وأكل الربا والسرقة.
ويبين أن المراد (بأهل القبلة) عند العلماء: المسلم الذي لم يأت بذنب مكفر يخرجه من الإسلام قول أبي محمد الحسن البربهاري رحمه الله 329 هـ] ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يَرُدَّ آية من كتاب الله عزوجل أو يرد شيئًا من آثار رسول الله عليه الصلاة والسلام أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله، وإذا فعل شيئًا من ذلك فقد وَجَبَ عليك
(1) ذكره حافظ حكمي في «معارج القبول» 2/ 20
(2) انظر (شرح العقيدة الطحاوية) ص 383، ط 1403 هـ
(3) (مجموع فتاوي ابن تيمية، 7/ 209) و (السنة لأبي بكر الخلال، ص 587، ط دار الراية، 1410هـ)