فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 1285

فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زني أو من سرق أو سفك الدم بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر. وأما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لايكفر إلا بالشرك [1] ، ونحن ماكفّرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك، وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر - إلى أن قال - أرأيت أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة قال أبوبكر لانقبل توبتكم حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، أتظن أن أبابكر وأصحابه لا يفهمون وأنت وأبوك الذين تفهمون؟ ياويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا [[2] .

وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن 1292هـ - وأبوه عبدالرحمن هو صاحب كتاب (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) رحمهما الله - في رده على المُلا داود بن جرجيس العراقي]وأما قوله: «إن الشيخ أحمد بن تيمية

(1) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[ولم يعلق على هذا أو يبينه، مع أنه علق في كتابه وشدّد على إطلاقات لأهل العلم دون هذا.

فأقول: الراجح أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يريد في إطلاقه هذا"الشرك بمعناه الإصطلاحي"وهو: أن يجعل المرء لله ندًا أو شريكًا في ألوهيته أو ربوبيته فهذا أخص من الكفر، ولو أراده الشيخ لكان قوله غير جامع لكثير من أنواع الكفر، فأهل السنة يكفّرون ساب الله أو رسوله، ويكفّرون المستهزئ بشيء من دين الله، ويكفّرون المستهين بالمصحف، ويكفّرون قاتل الأنبياء ويكفّرون المشرّع مع الله ما لم يأذن به الله، ويكفّرون المعرض عن دين الله وغيرهم ممن لم يتخذوا مع الله آلهة أخرى.

وكذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه قد نصّ على مكفّرات أخرى غير الشرك في نواقض الإسلام التي عدّدها، من ذلك"مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين"و"من أبْغَضَ شيئًا مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -"و"السحر"و"الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به"و"من اعتقد أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - كما خرج الخضر عن شريعة موسى"ونحوه، فالراجح أنه أراد بالشرك في عبارته أعلاه الكفر عمومًا، فإن كثيرًا من أهل العلم يرون أن كل شرك كفرًا كما أن كل كفر شركًا، فيكون مراده أن أهل السنة لا يكفّرون إلا بالذنوب المكفّرة التي نصّ الشارع على أنها مخرجة من الملّة، خلافًا للخوارج الذين يكفّرون بكل ذنب.

ويؤيد هذا التوجيه قول من يقول أن كل كافر خارج من الملّة فهو مشرك بالله من حيث أنه اتخذ إلههُ هواه أو من حيث أنه عابد للشيطان.

كما قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ) الجاثية: 23. وقال سبحانه (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) يس: 60. فمن كان مؤمنًا بالربوبية وكفر بأيّ نوع من المكفّرات، فهو مشرك بالله من هذا الباب. وعلى كل حال فللشيخ رحمه الله تعالى سلف في تلك العبارة وذلك الإطلاق، فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان من صحيحه: (باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكْفر بارتكابها إلا بالشرك، وقوله تعالى:(إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء: 48 .. ).

وقد يقال: إن الآية دليل للشيخ ولغيره في إطلاقاتهم، لكنّ الآية لم تحصر التكفير في الشرك كما فعلوا، وإنما نصّت على أن ما دون الشرك من الذنوب، فإن الله يغفره لمن يشاء سبحانه، وليس فيها أن الكفر من ذلك، بل الكفر إما أن يكون كالشرك مساويًا له أو أشد وأغلظ منه بحسب نوعه.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والمراد بالشرك في هذه الآية الكفر، لأن من جحد نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلًا كان كافرًا، ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف) .

فإن فهم كلام الشيخ هكذا فلا حرج، ومرادنا هو توجيه الطالب إلى هذا الفهم، لكن إن حُمِلَ الشرك فيه على معناه الإصطلاحي كما قد يفعل بعض الطلبة، كان كلامه عندهم غير جامع، فربما اغتروا به، أو أشكل عليهم وظنوا أن كلامه موافق لبعض أقاويل مرجئة العصر، أو أن الشيخ لا يكفِّر بكثير من المكفّرات العملية والقولية والاعتقادية غير الشرك، فلزم التنبيه.] النكت اللوامع ص (4 - 6)

(2) من (الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبدالوهاب) وهى القسم الخامس من مؤلفاته، ط جامعة الإمام محمد بن سعود، ص 233 - 234

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت