وتلميذه ابن القيم لايكفران أحدًا من أهل القبلة». فيقال: لو عرف هذا مَنْ أهل القبلة في هذا الموضع، ومن المراد بهذه العبارة لما أوردها هنا محتجًا بها على دعاء غير الله وعدم تكفير فاعله؟؟. ومن أعرض عن كلام أهل العلم ورأي أن مَنْ صلى وقال لا إله إلا الله فهو من أهل القبلة وإن ظهر منه من الشرك والترك لدين الإسلام ماظهر، فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة، وكشف عن حاصله من العلم والدين بهذه المقالة. وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله قول القائل «لا نكفر أهل الذنوب» ، وهذا يزعم أنه على مذهب الإمام أحمد. ومقصود من قالها: إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب، وهذا وَضَعَ كلامهم في غير موضعه وأزال بهجته لأنه تأوله في أهل الشرك ودعاء الصالحين، فالتبس عليه الأمر ولم يعرف مراد من قال هذا من السلف، وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله وسنة رسوله وبإجماع أهل العلم. وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب بابا مستقلا في هذه المسألة، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة، وقرروا من المكفرات أشياء كثيرة دون مانحن فيه، وجزموا بأن العصمة بالتزام الإسلام ومبانيه ودعائمه العظام، لا بمجرد القول والصلاة مع الإصرار على المنافي، وهذا يعرفه صغار الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم، فهذا لم يعرف ماعرفه صبيان المدارس والمكاتب، فالدعوى عريضة والعجز ظاهر [[1] .
هذا، وقد دلّ على صحة ماذكرناه هنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم أجمعوا على أن المعاصي غير المكفرة كشرب الخمر لايكفر صاحبها إلا بالاستحلال، هذا مااتفقوا عليه في حادثة قدامة بن مظعون، كما أجمعوا على أن المعاصي المكفرة يكفر صاحبها بمجرد اتيانها (سواء كانت فعلا أو تركا) دون نظر في جحد أو استحلال، كإجماعهم على تكفير تارك الصلاة، وإجماع الصحابة حجة قطعية على الأولين والآخرين من خالفها فهو مخطيء ضال، وسيأتي شرح لهذا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
هذا مذهب أهل السنة وفهمهم لهذه العبارة (لانكفر مسلما بذنب مالم يستحله) ، وقد أطلت في بيان معناها إذ لم يفهمها كثير من المعاصرين على وجهها الصحيح، بل فهموها فهما فاسدًا أدى بهم إلى اشتراط الاستحلال للتكفير بالذنوب المكفرة - وهو مالم يقصده السلف بهذه العبارة - فامتنعوا بهذا الشرط الفاسد عن تكفير من قضى الله ورسوله بكفره فوقعوا في معاندة الشريعة.
(5) قول الطحاوي رحمه الله] ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه [. هذا الحصر خطأ، وهو صريح مذهب المرجئة. فإن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب ومنهم من لم يُدخل إقرار اللسان فيه وقال هو شرط لإجراء أحكام الإسلام عليه في الدنيا وهم الأشاعرة والماتريدية، ومنهم من قال بل الإقرار داخل في حقيقة الإيمان وهم مرجئة الفقهاء (الأحناف) وبعض الأشاعرة.[2] . ولما كان الإيمان عندهم هو التصديق فلا يكفر أحدٌُ إلا بعكسه وهو التكذيب، وهو معنى قول الطحاوي (لايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ... ) ، والجحود هو الانكار والتكذيب الظاهر باللسان كما في حديث المرأة التي كانت تجحد العارية، ومعنى الجحود في اللغة: انكار الشخص للشئ مع علمه به،
(1) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج 9، كتاب الردود، ص 290 - 291)
(2) انظر (شرح جوهرة التوحيد) للبيجوري) ص 46 - 47