فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 1285

يدل علي ذلك قوله تعالى - حكاية عن قوم فرعون - (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) النمل: 14، فمع استيقانهم بأن ماجاء به موسى هو الحق كذبوه في الظاهر لقوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) غافر: 23 - 24، وهذا هو الجحد: اعتقاد صدق المُخْبِر مع تكذيبه في الظاهر، ودليله أيضا قوله تعالى (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) البقرة: 89، فكفروا بالانكار الظاهر مع وجود المعرفة القلبية، فهذا الجحد. أما كفر التكذيب: فهو التكذيب ظاهرًا وباطنا أي اعتقاد كذب المُخْبِر مع تكذيبه في الظاهر. [1] فالجاحد والمكذب كلاهما مكذب في الظاهر ويفترقان في أن الجاحد مصدق بقلبه والمكذب مكذب بقلبه. ولأجل اتفاقهما في الصورة الظاهرة يستعمل كل من الاصطلاحين محل الآخر أو كمترادفين. فوصف الله الكفار في مواضع بالتكذيب كما قال تعالى (كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ) المؤمنون: 44، ووصفهم في موضع بالجحد كما في قوله تعالى (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) الأعراف: 51. ولهذا قال ابن القيم في كفر الجحود] إن سُمِّيَ هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح، إذ هو تكذيب باللسان [[2] .

وقبل بيان الخطأ في قول الطحاوي هذا، ينبغي التفريق بين أمرين يؤدي الخلط بينهما إلى أخطاءٍ عدة، وهما أسباب الكفر وأنواعه.

• أما أسباب الكفر: فهى الأمور التي إذا فعلها الإنسان حُكم عليه بأنه كافر، وهى في أحكام الدنيا أمران لا ثالث لهما: قولٌ مُكفِّر أو فعلٌ مكفر (ومنه الترك والامتناع) . وإن كان العبد يكفر أيضا على الحقيقة بالاعتقاد المكفر المنعقد بالقلب إلا أنه لايؤاخذ به في أحكام الدنيا إلا إذا ظهر هذا الاعتقاد القلبي في قول ٍ أو فعل ٍ يمكن اثباته على صاحبه بطرق الثبوت الشرعية، لإجماع أهل السنة وسائر الطوائف على أن أحكام الدنيا تجري على الظاهر، والظاهر الذي يمكن اثباته على صاحبه هو قوله أو فعله لا ما في قلبه لقوله عليه الصلاة والسلام (أفلا شققت عن قلبه) [3] ، وقوله عليه الصلاة والسلام (إني لم أومر أن أنقُب قلوب الناس ولا أشق بطونهم) [4] ، ففعل القلب لايؤاخذ به في أحكام الدنيا إلا إذا ظهر في قول أو فعل قال ابن حجر رحمه الله]وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر [[5] . وضابط القول والفعل المكفِّرَيْن هى الأقوال والأفعال التي نص الشارع على كفر من أتى بها، وهو معنى قول ابن تيمية رحمه الله]وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَر بذلك [[6] ، وسيأتي مزيد بيان لهذا في شرح قاعدة التكفير إن شاء الله.

والجحد أحد أسباب الكفر بالقول، وهو الإنكار باللسان لما ثبت بالشرع، ومنه قول الشيخ منصور البهوتي الحنبلي -

(1) انظر (أعلام السنة المنشورة) لحافظ حكمي ص 81، ط دار النور.

(2) (مدارج السالكين) 1/ 366، ط دار الكتب العلمية

(3) الحديث متفق عليه

(4) الحديث متفق عليه

(5) (فتح الباري) 12/ 273

(6) (الصارم المسلول) ص 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت