ومن لم يأت بأصل الإيمان أو أخلّ به فهو كافر من أهل النار لايخرج منها كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) المائدة: 36 - 37.
فهذه المرتبة الأولى من مراتب الإيمان
ب - المرتبة الثانية: الإيمان الواجب. وهو مازاد عن أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات.
وضابط مايدخل في الإيمان الواجب من أعمال (سواء كانت فعلًا أو تركًا) : أن كل عمل ورد في تركه وعيد ولم يكفر تاركه ففعله من الإيمان الواجب (كالصدق والأمانة وبر الوالدين والجهاد الواجب) ، وكل عمل ورد في فعله وعيد ولم يكفر فاعله فتركه من الإيمان الواجب (كالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والكذب والغيبة والنميمة) .
والناس في الإيمان الواجب على درجتين:
الدرجة الأولى: المقصِّرون فيه بترك واجب أو فعل محرم - بعد اتيانهم بأصل الإيمان - فهؤلاء هم أصحاب الكبائر أو المُخلِّطون من أهل التوحيد أو عصاة الموحِّدين أو الفاسق المِليِّ أي أنه مع فسقه لم يخرج من المِلة، وهذه درجة قوله تعالى (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ) فاطر: 32 - على قول ٍ في تفسيرها - فمن كان هذا حاله فهو من أهل الوعيد إن مات بلا توبة، ولكنه في المشيئة، فإن شاء الله غفر له وأدخله الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب، وإن شاء عذّبه بقدر ذنوبه ثم يخرجه الله من النار ويُدخله الجنة بما معه من أصل الإيمان كما دلت عليه النصوص المذكورة أعلاه. أما الدليل على أنه في المشيئة فقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء: 48، فالمذنبون من أهل التوحيد مغفرة ذنوبهم معلقة على مشيئة الرحمن، ويدل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام (بايعوني على أن لاتشركوا بالله شيئا ولاتسرقوا، ولاتزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولاتأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولاتعصوا في معروف، فمن وَفَى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله عليه، فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) [1] . ويستثنى من تكفير الذنب بالعقوبة وكونه في المشيئة: المرتد المشار إليه في الحديث بقوله (أن لاتشركوا بالله شيئا) ، فإذا قتل على الردة لم تكن العقوبة كفارة له، وإذا مات مرتدًا لم يكن في المشيئة لقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) النساء: 48 سواءً عوقب في الدنيا على ردته أو لم يُعاقب [2] .
الدرجة الثانية: الذين أدّوا الإيمان الواجب بتمامه لم يقصروا فيه ولم يزيدوا عليه - بعد اتيانهم بأصل الإيمان - فهذا هو المؤمن المستحق للوعد السالم من الوعيد أي أنه يستحق دخول الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب بفضل الله حسب وعده الصادق، وهذه هى درجة المقتصدين لقوله تعالى (وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ) فاطر: 32، وفي هؤلاء أيضا حديث (أفلح إن صدق) فيمن سأل عن شرائع الإسلام، وفيه (فأخبره رسول الله عليه الصلاة والسلام بشرائع الإسلام، قال: والذي
(1) الحديث متفق عليه
(2) انظر (فتح الباري) ج 1/ 64 - 68، و ج 12/ 112