القبلة - بذنب مالم يستحله).
فهذا مايشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلًا، ومالا يُشترط فيه ذلك، ولا ينبغي الخلط بين القسمين من الذنوب.
وقد فَرَّق بين القسمين القاضي أبو يعلى الحنبلي قال] من سَبَّ الله أو سب رسوله فإنه يكفر، سواء استحل سَبَّه أو لم يستحله، فإن قال «لم أستحل ذلك» لم يُقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتدًا، لأن الظاهر خلاف ماأخبر، لأنه لاغرض له في سب الله وسب رسوله إلا أنه غير معتقد لعبادته غير مُصدق بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. ويُفارق الشارب والقاتل والسارق إذا قال «أنا غير مستحل لذلك» أنه يُصَدَّق في الحكم لأن له غرضًا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاد تحريمها وهو ما يتعجل من اللذة [[1] .
وانتقد شيخ الإسلام ابن تيمية من خلط بين القسمين فاشترط الاستحلال للتكفير بالذنوب المكفرة، فقال]وذكر القاضي عن الفقهاء أن ساب النبي عليه الصلاة والسلام إن كان مستحلًا كَفَر، وإن لم يكن مستحلًا فَسَق ولم يكفر [ثم قال ابن تيمية] إن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلا كفر وإلا فلا، ليس لها أصل، وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن الفقهاء، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريا على أصولهم أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لايُعد قولُه قولًا، وقد حكينا نصوص أئمة الفقه وحكاية إجماعهم عمن هو من أعلم الناس بمذاهبهم، فلا يظن ظانّ أن في المسألة خلافًا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، وإنما ذلك غَلَط، لايستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة - إلى أن قال - وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كُفْر استحلها صاحبها أو لم يستحلها، فالدليل على ذلك جميع ماقدمناه في المسألة الأولى من الدليل على كُفر الساب مثل قوله تعالى (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) التوبة: 61 وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الأحزاب: 57 وقوله تعالى (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 66 وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنما هو أدلة بَيِّنة في أن نفس أذى الله ورسوله كُفر، مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودًا وعدمًا [[2] .
وهذا التنبيه - في الفرق بين مايشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلا، ومالا يُشترط فيه ذلك - سوف نحتاج للرجوع إليه في موضعين فيما يستقبل من هذا الكتاب إن شاء الله، وهما:
الموضع الأول: في مبحث الاعتقاد هذا، عند الكلام في أخطاء التكفير ومنها اشتراط بعض المعاصرين للجحد أو الاستحلال كشرط مستقل للتكفير بالذنوب المكفرة، وقد تبيّن لك أن هذا بخلاف مادلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، بل قد تبيّن لك أن السّلف قد كفروا من قال بهذا الشرط لامتناعهم عن تكفير من قام الدليل على كفره.
والموضع الثاني: عند الكلام في مسألة الحكم بغير ماأنزل الله في المبحث الثامن من هذا الفصل، وهو المبحث الخاص
(1) . في كتابه (المعتمد) نقلًا عن (الصارم المسلول) ص 513 - 514
(2) (الصارم المسلول) ص 514 - 517