فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 1285

(بموضوعات فقهية متفرقة) . فقد ذهب البعض - وهم كثيرٌ - إلى أن من ترك الحكم بما أنزل الله لايكفر إلا أن يكون جاحدًا للحكم الذي تركه أو مستحلًا لتركه، أما إن فعل ذلك لهوى أو شهوة فلا يكفر. وهذا محض قول غلاة المرجئة الذين كَفّرهم السلف. فقد قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44. ولايختلف أهل العلم وأهل اللغة أن الكفر المعرف بأل - كما في هذه الآية - هو الكفر الأكبر، كما لايختلف أهل العلم في أن الكفر إذا أطلق في القرآن فهو الكفر الأكبر، وسيأتي تقرير هذا في المبحث الثامن إن شاء الله - فدلّت الآية على كفر من ترك الحكم بما أنزل الله. وعَلّق الحكم بالكفر على مجرد الترك، كما عَلّق رسول الله عليه الصلاة والسلام الحكم بكفر تارك الصلاة على مجرد الترك (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) [1] . وقد أجمع الصحابة على تكفير تارك الصلاة بمجرد الترك، وأن التفريق بين الجاحد والمقر بالوجوب في هذه المواضع هى فروع فاسدة لم تنقل عن الصحابة كما قال ابن تيمية. فلابد أن يكون تارك الحكم بما أنزل الله كافرًا بمجرد تركه كتارك الصلاة إذ ترتب الحكم في النصين على مجرد الترك، والكفر في النصين هو الكفر الأكبر، وقال ابن تيمية رحمه الله] وهو سبحانه كما يفرق بين الأمور المختلفة فإنه يجمع ويسوي بين الأمور المتماثلة، فيحكم في الشيء خلقًا وأمرًا بحكم مثله، لايفرق بين متماثلين، ولايسوي بين شيئين غير متماثلين [[2] .

وبهذا تعلم أن تارك الحكم بما أنزل الله - كالسلاطين والقضاة في البلاد المحكومة بقوانين وضعية - هو كافر كفرًا أكبر بمجرد تركه دون نظر إلى جحد ٍ أو استحلال. فإذا أضاف إلى ذلك الحكم بشرع مخالف لشرع الله فهذا سبب مُكَفِّر آخر غير الترك الأول فيكفر أيضا من هذا الوجه. فإذا أضاف إلى ذلك وضعه للتشريعات المخالفة فهذا سبب مُكفِّر ثالث. فالسلاطين والمشرِّعون والقضاة بهذه البلاد كلهم كفار كفرًا أكبر، ومنهم من ترتب كفره على عِلّة واحدة ومنهم من ترتب كفره على علتين ومنهم من ترتب كفره على ثلاث علل كل منها مكفرة بذاتها. وسيأتي شيء من التفصيل في هذه المسألة بالمبحث الثامن كما أشرت من قبل إن شاء الله.

وبهذا أختم هذا التنبيه فيما يشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلًا، وبين مالا يشترط فيه ذلك.

ونتابع سرد أخطاء الطحاوي في عقيدته.

(6) قال الطحاوي رحمه الله]والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان[هذا خطأ وهو مذهب المرجئة الفقهاء، وتقدم أن مذهب أهل السنة أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص: قول القلب (وهو المعرفة والتصديق الجازم) وقول اللسان (وهو الإقرار) ، وعمل القلب (عبادات القلب) وعمل الجوارح (عبادات الجوارح) .

(7) وقال الطحاوي رحمه الله] والإيمان واحد [هذا خطأ وهو مذهب المرجئة أن الإيمان شئ واحد لايتبعَّض فلا يزيد ولاينقص إما أن يبقى كله أو يذهب كله. أما مذهب أهل السنة فالإيمان مركب من شُعَب ولهذا فهو يزيد وينقص عند

(1) رواه مسلم

(2) (مجموع الفتاوى) 13/ 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت