أ - توحيد الربوبية (وهو توحيد المعرِفة والإثبات أو التوحيد العلمي الخبري) ومعناه اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته وأفعاله وأسمائه وصفاته لا شريك له، (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) الإخلاص: 3 - 4، واعتقاد أن الله تعالى فوق السموات مستو علي العرش، بائن من الخلق، وهو معهم بعلمه وقدرته وإحاطته وسمعه وبصره، واعتقاد أنه سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى: 11، واعتقاد أنه وحده الرب المالك الخالق الرازق النافع الضار المَحيِ المميت المُشَرِّع لخلقه لايشاركه أحد في هذا، ولايقع شيء في الكون بغير إذنه وإرادته سواء كان مما يحبه ويرضاه أو مما يُبغضه ويكرهه، واعتقاد أن الله تعالى على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
ويُدرِجُ بعض المصنفين توحيد الأسماء والصفات في توحيد الربوبية، وبعضهم يفرده بقسم مستقل وفي هذه الحالة يقتصر توحيد الربوبية على توحيد الله تعالى في ذاته وأفعاله. وأيما كان التقسيم، فإنني أوصي بألا تكون دراسة الأسماء والصفات دراسة نظرية مجردة مقتصرة على بيان مذهب أهل السنة ومذاهب المبتدعة، بل يجب عند دراستها ربطها بحياة المسلم ومعاملاته اليومية الباطنة والظاهرة، فتفيده معرفة صفة المعية الاستحياء من الله تعالى والطمع في معيته الخاصة للمتقين فيجتهد أن يكون منهم، وتفيده معرفة صفة البصر أن يستحي من الله أن يراه على ما نهاه عنه بل يراه الله على طاعته، وتفيده معرفة صفة السمع ألا ينطق بما يؤاخذه الله به بل ينطق بما يرضيه سبحانه من القول، وتفيده معرفة صفة القدرة التوكل على الله تعالى والثقة في وعده، وهكذا في بقية الأسماء والصفات. فإن جميع ما في العالم من خلق أو أمر إنما هي آثار ومقتضيات لأسماء الله تعالى وصفاته، إذ يستحيل أن تتعطل هذه الأسماء والصفات عن آثارهما، والعلم بهذا هو من أجل المعارف وأشرفها كما قال ابن القيم، وكتبه مشحونة ببيان ذلك.
ب- توحيد الألوهية (وهو توحيد العبادة والقصد أو التوحيد الإرادي الطلبي) ومعناه عبادة الله تعالى وحده، أو إفراد الله تعالى بالعبادة كما ذكرناه في معنى شهادة أن (لا إله إلا الله) .
ويتبين من ذلك أن توحيد الربوبية علم، وأن توحيد الألوهية عمل، وهو أثر العلم بتوحيد الربوبية في أعمال العبد، ولابد منهما معا لصحة التوحيد والإيمان. ولا يدخل العبد في الإيمان بتوحيد الربوبية وحده، فإن الكفار الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم كانوا مقرِّين بتوحيد الربوبية وأن الله هو الخالق وحده لا شريك له النافع الضار المدبِّر لجميع الأمور، كما قال تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم - (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) يونس: 31. فلم يُدخلهم هذا الإقرار في الإسلام إذ كانوا يشركون في الألوهية بعبادتهم غير الله بالدعاء والاستغاثة والنذر والذبح والتحاكم لغير شريعة الله تعالى.
ولهذا كان أول ما يدعو الرسل إليه أقوامهم هي عبادة الله وحده لاشريك له - أي توحيد الألوهية - كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36. ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى أهل اليمن قال له (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى) [1] ، والمقصود توحيد الألوهية بدلالة الروايات الأخرى لنفس الحديث ومنها (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) [2] ، ومنها (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) [3] .
(1) الحديث رواه البخاري (7372)
(2) الحديث رواه البخاري (1458)
(3) الحديث رواه البخاري (4347)