فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 1285

دل هذا كله على أن التوحيد أول واجب، ولاتصح العبادات ولاتُقبل إلا به، ولهذا فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقية أركان الإسلام - في حديث معاذ - بعد الإتيان بالتوحيد، فقال صلى الله عليه وسلم (فليكن أول ماتدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيِّهم فتُرد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموال الناس) [1] .

فالواجب على كل عبد معرفة قِسْمي التوحيد وأنه لايصح إيمانه إلا بالإتيان بهما معًا، وأن هذا هو أول ما يجب على العبد من أمر دينه علمًا وعملًا.

4 -معرفة نواقض الإسلام: أي معرفة الكفر وما يكفر به العبد. وإنما وجب معرفة هذا:

لقوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36.

فوجب معرفة الطاغوت ليجتنبه العبد على بصيرة، إذ لايصح إيمانه إلا باجتناب الطاغوت والكفر به، لقوله تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا) البقرة: 256، وقُدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله إذ لايصح إلا به، والكفر بالطاغوت هو المراد بالنفي في شهادة أن (لا إله إلا الله) .

والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو كل ما جاوز به العبد حَدّه من معبود أو متبوع أو مطاع، أو هو كل ما يُخرج العبد من الإيمان إلى الكفر الذي هو أصل الطغيان. وقد سبق قول ابن القيم في تعريف الطاغوت. وقال ابن حجر رحمه الله [قال الطبري - في تعريف الطاغوت: الصواب عندي أنه كلُ طاغٍ طغى على الله يُعبد من دونه، إما بقهرٍ منه لمن عَبَدَ أو بطاعة ممن عَبَدَ، إنسانا كان أو شيطانا أو حيوانا أو جمادًا] [2] ، وقال كثير من العلماء إن الطاغوت في الأصل هو الشيطان فهو الذي يزين للناس كل كفر بالله، كما قال تعالى - حكاية عن إبليس - (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الحجر:39 - 40.

وقد كانت أول وصايا لقمان لابنه - كما قال تعالى - (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان: 13. والشرك إذا أُطلق فهو مرادف للكفر.

فوجب معرفة الكفر ومايكفر به العبد أي معرفة نواقض الإسلام، وهي تفوق الحصر، وأشهرها العشرة التي جمعها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله، ثم النواقض المثبتة في أبواب الرِّدة من كتب الفقه. وهذا كله على سبيل المثال.

5 -معرفة عبادات القلب الواجبة: وهي مما يغفله كثير من الناس رغم وجوبها ودخول أكثرها في أصل الإيمان.

أ - كالإخلاص: لقوله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) البينة: 5.

فيجب أن يعلم كل مسلم وجوب الإخلاص، وأنه شرط لقبول العمل عند الله تعالى، وأن العمل - كالصلاة والزكاة وغيرهما - قد يكون ظاهره صحيحًا في الدنيا ولكنه غير مقول عند الله ولايُثاب عليه صاحبه لتخلف شرط الإخلاص. والإخلاص هو: قصد الله تعالى وحده بالعمل، وهو عمل قلبي.

ب - والخشية: لقوله تعالى (فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) التوبة: 13.

ج - والمحبة: لقوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ) البقرة: 165.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاثٌُ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لايحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ انقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار) [3] . ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ليست كلاما يقال بلا حقيقة، بل حقيقتها أنها عبادة قلبية باعثة على موافقة مراد المحبوب وبُغض ما يُبغضه المحبوب، بفعل ما يأمر به وترك ما ينهى عنه.

(1) متفق عليه، واللفظ للبخاري (7372)

(2) (فتح الباري) ج 11 ص 448 شرح الحديث (6573)

(3) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت