فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 1285

(11) ومن أحكام القضاء: أنه لاتقبل شهادة الكافر على المسلم في الأصل، هذا فضلا عن أنه يحرم أن يكون الكافر قاضيا يحكم على المسلمين كما ذكرناه في أحكام الولاية.

ونحن إذا ذهبنا نتتبع هذه الأحكام المترتبة على الإيمان والكفر في أبواب الفقه المختلفة لأحصينا الشئ الكثير، فآنية الكفار لها أحكام وذبائحهم لها أحكام، والمعاملات المالية من البيع والشراء والإجارة مع الكفار لها أحكام، وهذا باب واسع نكتفي منه بالأمثلة السابقة. فإن الله تعالى جعل خلقه فريقين فقال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) التغابن: 2، ولم يُسَوّ سبحانه بين الفريقين لافي الدنيا ولا في الآخرة فقال جل شأنه (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) القلم: 35 - 36، وقال (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ) السجدة: 18، وقال تعالى (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) الحشر: 20. وعلى هذا فالمساواة بين الفريقين هى معاندة لشرع الله وهذا ماتتولى كبره الدساتير الوضعية الجاهلية التي تنص على أن المواطنين أمام القانون سواء، وأنه لايُفرَّق بينهم في الحقوق والواجبات بسبب العقيدة ونحو ذلك. وإهمال هذه الفروق يؤدي إلى فساد عظيم في دين المسلمين ودنياهم، ولايستفيد من ذلك إلا الكافرون، وهذا هو واقع العالم اليوم فساد في دين المسلمين وخراب في دنياهم واستعلاء للكافرين. في حين أن العمل بأحكام الإيمان والكفر يترتب عليه تميُّز الناس إلى فريقين: مؤمن وكافر، وهذا التميز هو مفتاح الجهاد في سبيل الله تعالى ومقدمته، والجهاد فيه حياة الأمة الإسلامية وعزها كما أن فيه قمع الكافرين وإذلالهم. وتميّز الناس أمر محبوب لله تعالى كما قال جل شأنه (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) آل عمران: 179، وقال تعالى (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الأنفال: 37، كذلك فإن وسيلة هذا التميز وهي العمل بأحكام الإيمان والكفر والشهادة على الناس أمر محبوب لله تعالى كما قال جل شأنه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) البقرة: 143. والغفلة عن هذا كله من الغفلة عن دين الله وعما يحبه سبحانه ويرضاه، فكيف بمن يصدّ المسلمين عن الكلام في موضوع الإيمان والكفر بدعوى أن السلامة من الزلل في تجنبه؟، وكيف إذا كان يشارك في هذا الصد بعض المنتسبين للدعوة الإسلامية؟، وهل هذا إلا من الجهل بدين الله ومن نقص الإيمان؟، فإن بعض المتصدرين للدعوة الإسلامية ولقيادة الجماعات الإسلامية اليوم هم كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [1] . وهيهات أن ينصر دين الله أو أن يدعو إليه على بصيرة من لا يميز بين المؤمن والكافر أو من يصدّ عن ذلك.

إن التمييز بين المؤمن والكافر ومعاملة كل منهما بما يوجبه الشرع لا يؤثر في مصائر الأفراد فقط بل إن تأثيره في مصائر الأمم والدول أخطر بكثير، فما الذي يحول بين المسلمين وبين الحكم بشريعة الإسلام في بلدانهم؟ إلا حكام كافرون يصفهم أعوانهم من شيوخ الضلالة بأنهم حكام مسلمون، ويدافع عنهم جنود كافرون يحسبون أنفسهم وحكامهم

(1) الحديث متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت