مسلمين. وما الذي أدى إلى هذا الواقع؟ إلا تراكم التجهيل المتعمد والتضليل المنظم عبر عشرات السنين والذي أدى إلى صرف جمهور المسلمين عن التفكير في هذا الأمر - أمر الإيمان والكفر وتمييز المؤمن من الكافر - بل أدى بهم إلى الجهل المركب بهذا الأمر وهو اعتقادهم فيه بخلاف حقيقته فأصبحوا يرون الحاكم الكافر مسلما تقيا، ويرون المسلم الداعية المجاهد من الخوارج الضالين، فتنحسر الدعوة بذلك ويظل الدعاة غرباء مضطهدين، وهذا هو الواقع في شتى بلدان المسلمين اليوم. ولهذا فليس غريبا أن يقول العلماء إنه يجب على كل مسلم أن يعرف حال حاكمه لما يترتب على ذلك من أحكام كثيرة [1] . إن الإهمال المتعمد لهذا الأمر - أمر تمييز المسلم من الكافر - وصرف المسلمين عنه إنما يراد به تجهيل المسلمين بأعدائهم الحقيقيين من الحكام الكافرين داخل بلادهم ومن قوى الكفر الدولية خارج بلادهم، لينصرف المسلمون عن جهاد أعدائهم في الداخل والخارج، ولا حياة لأمة المسلمين ولا عِزّة لهم إلا بالجهاد، فإذا تعطل الجهاد فسد دين المسلمين وخربت دنياهم واستعلى الكافرون في الأرض يعيثون فسادًا، وهذا هو الواقع اليوم ومنذ أزمان مضت. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إذا تبايعتم بالعِينَة وتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلًا لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [2] ، والعينة صنف من الربا، واتباع أذناب البقر والرضا بالزرع يدلان على الركون إلى الدنيا والذي من لوازمه ترك الجهاد، وهذا كله يفضي إلى الذل الذي لايرتفع إلا بنبذ أسبابه.
وهذا كله في بيان أهمية موضوع الإيمان والكفر، وفي بيان أهمية هذا الموضوع قال ابن تيمية رحمه الله] إذا تبيّن ذلك فاعلم أن «مسائل التكفير والتفسيق» هى مسائل «الأسماء والأحكام» التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرّم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقتٍ ومكان [[3] ، وقال ابن تيمية أيضا]فإن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدث، ولا كالخطأ في غيره من الأسماء، إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق [[4] . وقال أيضا]وليس في القول اسم عُلِّق به السعادة والشقاء والمدح والذم والثواب والعقاب أعظم من اسم الإيمان والكفر، ولهذا سُمي هذا الأصل «مسائل الأسماء والأحكام» [[5] . وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله]وهذه المسائل: أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا، فإن الله عزوجل علّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار. والاختلاف في مسمّياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة [[6] . وقال ابن القيم رحمه الله - في حديثه عن ورود الشريعة بسد ذرائع الشر والفساد، فذكر من أمثلة ذلك -]أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمّنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تُفْضِي
(1) انظر (المستصفى) لأبي حامد الغزالي ج 2 ص 390
(2) رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن ابن عمر
(3) (مجموع الفتاوى) ج 12 ص 468
(4) (مجموع الفتاوى) ج 7 ص 395
(5) (مجموع الفتاوى) 13/ 58
(6) (جامع العلوم والحكم) ص 27