وأشرح هذه القاعدة شرحًا موجزًا فأقول وبالله تعالى التوفيق:
(1) قولي (في أحكام الدنيا التي تجري على الظاهر) هو تمهيد وتقديم لقولي (بقولٍ أو فعل) إذ إنهما مايظهر من الإنسان ويؤاخذ به في الدنيا، أما الكفر القائم بالقلب (من اعتقاد مكفرِّ أو شكّ في أركان الإيمان وشعبه) فهذا لايؤاخذ صاحبه به في الدنيا وإنما أمره إلى الله (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) الطارق: 9 وهو سبحانه لايغفر لمن مات كافرًا. وقد بيّنت ذلك في التنبيه المذكور عقب تعريف الردّة آنفا.
(2) قولي (بقول أو فعل) وهذا هو سبب الحكم بالكفر على شخص في الدنيا، فسبب الكفر - في أحكام الدنيا - إما قول أو فعل. أما القول فمثل سب الله تعالى أو سب الرسول عليه الصلاة والسلام أو سب الدين. وأما الفعل فمثل إلقاء المصحف في القاذورات، ويدخل في الفعل: الترك والامتناع عن فعل المأمور به كترك الصلاة وترك الحكم بما أنزل الله، فإن تَرْك المأمور به يسمى فعلًا على التحقيق لقوله تعالى (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة: 79، فسمَّى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا [1] .
(3) قولي (مكفرِّ) صفة للقول والفعل. وتتحقق صفة الكفر فيهما بشرطين:
أ - أن يثبت بالأدلة الشرعية المعتبرة كفر من أتى بهذا القول أو الفعل، وهذا مايُسمى (بالتكفير المطلق) وهو أن يقال: من قال كذا فقد كفر ومن فعل كذا فقد كفر، هكذا باطلاق دون تنزيل الحكم بالكفر على شخص معين. فالتكفير المطلق هو تنزيل الحكم بالكفر على السبب لا على الشخص فاعل السبب.
ويشترط في الدليل الشرعي أن يكون قطعي الدلالة على الكفر الأكبر، فهناك صيغ محتملة الدلالة على الكفر قد تعنيه وقد تعني مادونه من الكفر الأصغر والفسق ويتم تعيين المراد من النص محتمل الدلالة بقرائن من داخل النص أو من غيره من النصوص، ومثال ذلك:
مارواه البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، في باب (كفران العشير، وكفر دون كفر) . وفيه روي عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أُرِيتُ النار، فإذا أكثر أهلها النساء يَكْفُرنَ) قيل: أيكفرن بالله؟ قال: (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان) [2] ورواه في كتاب الحيض عن أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام مَرّ على النساء فقال: (يامعشر النساء تصدَّقن فإني أُريتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبِمَ يارسول الله؟ قال (تكثرن اللعن وتكفرن العشير) [3] . وفيه وصف رسول الله عليه الصلاة والسلام عدم قيام المرأة بحق زوجها (العشير) وعدم شكر إحسانه إليها وصفه بالكفر، وقد دلت القرائن على أن المراد به الكفر الأصغر لا الأكبر المخرج من الملة، والقرائن هى أنهم لما سألوا أهو الكفر بالله؟ عدل بجوابه عنه، وأنه عليه الصلاة والسلام أمرهن بالصدقة لتكفير هذه المعاصي والصدقة إنما تنفع
(1) وفيه أدلة أخرى ذكرها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في (مذكرة أصول الفقه) ط مكتبة ابن تيمية، 1409 هـ، ص 46. وكذلك قال ابن حجر (والتروك أفعال على الصحيح) (فتح الباري) 12/ 315
(2) الحديث (29)
(3) الحديث (304)