المؤمن لقوله عليه الصلاة والسلام (والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار) [1] . ولاتقبل الصدقة من الكافر ولاتكفِّر ذنوبه لقوله تعالى (إن الله لايغفر أن يُشرك به) ، فدل على أنهن مؤمنات مع وصف معصيتهن بالكفر، وهذه صفة الكفر الأصغر.
ومثاله أيضا: قوله عليه الصلاة والسلام (سُباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) وقوله عليه الصلاة والسلام (لاترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) [2] ، فسمّى قتل المسلم للمسلم كفرًا، وكذلك سمّى تقاتلهما، وقد دلت النصوص على أن قاتل العمد لايكفر لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) البقرة: 178، فأثبت الأخوة الإيمانية بين القاتل وولي المقتول، وكذلك في التقاتل كما قال تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) الحجرات: 9، فسمّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وهذا يدل على أن الكفر في الأحاديث السابقة لايزول معه الإيمان فيكون كفرًا أصغر أو كفرًا دون كفر.
والمقصود هنا الإشارة لا التفصيل، وإلا فقد فصّلت كل هذه المسائل في كتابي (الحجة في أحكام الملة الإسلامية) . ومن الصّيغ محتملة الدلالة التي تحتمل الكفر الأكبر ومادونه: الكفر بصيغة الفعل الماضي أو المضارع (فقد كَفَر، يكفر) ، والكفر بصيغة الإسم النكرة مفردًا كان أو جمعا (كافر، كفارًا) ، وصيغة نفي الإيمان (لايؤمن) ، وصيغة (ليس مِنا) ، وصيغة (فهو في النار) ، وصيغة (حَرَّم الله عليه الجنة) ، وصيغة (فقد برئت منه الذمة، أو فقد برئ منه الله ورسوله عليه الصلاة والسلام) ، ونحوها. والأمثلة لهذا كله مع شرح دلالاتها مذكورة بكتابي (الحجة في أحكام الملة) . وقد ذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام طائفة من هذه الصيغ محتملة الدلالة في كتابه (الإيمان) .
أما الأدلة الشرعية قطعية الدلالة على الكفر الأكبر، فمثالها قوله تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 65 - 66، فنص على كفرهم بعد الإيمان وهذا الكفر الأكبر. ومثالها قوله تعالى (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ) الكهف: 35 - 37، فنص على أنه كَفَر بالله وهو كُفْر أكبر. ومثالها قوله تعالى - فيمن دعا غير الله فيما لايقدر عليه إلا الله - (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) فاطر: 13 - 14. وقوله تعالى (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ) الرعد: 14.
وكقاعدة عامة:
(1) الحديث، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
(2) رواهما البخاري